-->

فضاء الألم

ماجــدة الجــندي

وما أوسعه من فضاء‏,‏ وأوحشه‏,‏ وأقساه‏..‏ فضاء متفرد وإن تكرر‏,‏ يظل دوما يحمل في جنباته مرارة الوحدة حتي وإن ظللته مشاركات أصدقاء أو تواصل أناس يحبونك‏..‏

في فضاء الألم يقف المرء وحيدا‏..‏ بتجربة الجسد المعلول ومهما تكلم أو باح‏,‏ لا يمكن لصرخة آه أن تسبر كل أغوار الوجع أو تجعلك تكشف كل تلك الحدود لفضاء الألم الواسع‏.‏

لكن الشاعر أسامة الدناصوري قبض بقلمه علي كل هذا الفضاء الممتنع كما كتب ببساطة‏,‏ ونقل تجربة مرضه الطويل من واقعها إلي الورق‏..‏ هو نثر الحياة من زاوية الألم الذي هاجمه في لحظة تفتح للحياة وظل يتصاعد حتي أوصله إلي الفشل الكلوي والذي نكتشف انه وحده لم يكن الذروة الوحيدة في تجربة فضاء المرض‏.‏

رواية كلبي الهرم‏..‏ كلبي الحبيب الصادرة عن دار ميريت‏,‏ هي يوميات مقاومة الألم بالكتابة‏..‏ هل يمكن؟ هل كانت كذلك لكاتبها؟

هي لقارئها تدفعه لان يهتف للحياة مع كل شهيق وزفير‏..‏ والألم المتغلل والمشبعة به أحرفها‏,‏ بقدر ما ينغرز في صدر متلقيها بصدقه البسيط العميق‏..‏ العميق‏,‏ يتسرب إلي كل الثنايا فيشحن الروح بقيمة ما نراه بسيطا‏..‏ وعاديا‏..‏ وربما تافها‏:‏ أن تأخذ نفسا يملأ صدرك دون وعي‏..‏ أو ترفع جفنك‏..‏ أو تحرك ساقا أو ذراعا أو ترشف شربة ماء‏..‏ أو تتخلص منها‏..‏

كانت محنة أسامة الدناصوري مثل آلاف وآلاف أن يتخلص بطبيعية من شربة الماء‏..‏ هل هناك أبسط من ذلك‏..‏ وأغلي من ذلك أيضا‏..‏؟

اليوميات المسطرة في أحشاء الليالي‏:‏ الواحدة صباحا‏..‏ أو الثانية والنصف‏..‏ الرابعة فجرا أو حتي أواسط النهار تبدأ دائما بواحد من اكثر مفردات الحياة عادية واعتيادية‏,‏ حتي ما إذا انتهت ومدت البصر تكشفت طبقات وطبقات من المعني الذي يتراوح بين جدلية الألم والحياة‏..‏

ما بين‏2006/4/20‏ و‏12/7‏ قدم أسامة الدناصوري قبيل رحيله بأسابيع قليلة‏,‏ تجربة نادرة في وصف وتسجيل الألم الانساني‏,‏ تجربة أضغمت أربعة وثلاثين عاما متصلة من ذلك الألم اليومي وبتفاصيل عوالم من كثرة ما تحيط قد لا تراها لكنها علي صفحات هذا العمل هي الأكثر وخزا وسخرية ووجعا وأيضا الأكثر إدراكا لما لا يدركه الا المكابدون‏..‏ تجربة الغسيل الكلوي بعد فشل الكلي‏,‏ وحدات الغسيل‏,‏ الفرق بين وحدة وأخري‏..‏ العلاقات بين المرضي أنفسهم والشخص‏(‏ الممرض أو الممرضة المشرفة علي الغسيل‏..‏ معني الفشل الكلوي‏..)‏ انه أنا‏..‏ أنا العادي جدا‏..‏ فقط عندما اكون في بيتي‏,‏ تكون كليتاي في مكان آخر‏..‏

اثنا عشر عاما من الغسيل الكلوي واثنان وعشرون عاما سبقتها بأنواع وأنواع من محاولات التحايل علي عطب جزء من أجزاء جسم الانسان يقع عليه عبء التخلص من شربة الماء‏..‏ المسالك البولية كيف كانت البداية مع صبا المرحلة الاعدادية في ماتش كورة شراب وكيف سقط صريعا غير قادر علي الحركة‏..‏ الفزع والبكاء والتردد علي أطباء القاهرة‏..‏ كان ذلك عام‏1973..‏ الصورة التي يرسمها للطبيب الانسان مصطفي الديواني‏..‏ اكتشاف فيروس من مخلفات الاصابة باللوز وعلاجه الذي خلف اصابة مستديمة بالمثانة‏.‏ المثانة العصبية التي تعذب صاحبها نهارا باحتباس البول وليلا بالتبول اللارادي‏..‏

تلك البداية تأتي في السياق بعد شهرين أو اكثر قليلا من اللحظة التي قرر فيها الكاتب أن يستقوي بالكتابة علي الألم‏..‏ أما بداية العمل وسياقه الأكبر فهو فضاء ذلك الألم الممتد والمصاحب علي طول السنوات والذي رغم ذلك تتخلله حياة‏..‏ هي الحياة‏..‏ يرصدها في لخبطات عنفوانها كما يرصد خفوتها‏..‏ أمه الخائفة إلي حد الرعب من أن يموت قبلها‏..‏ زوجته التي تبدو كهمس حاضر‏..‏ والتي أرادها في قائمة من يتلقي عزاءه‏.‏ لكنها حائط مبكاه‏..‏ من سيأخذ عزاءه‏..‏؟ في الخامسة فجرا يبدأ في إعداد القائمة في مكانه المعتاد‏,‏ علي الكنبة‏..‏ نوبات العرق وهشاشة العظام‏..‏ تداعيات ذلك الفشل اللعين‏.‏ الكر والفر بين السطور بمداهمة الموت وفوران بالحياة مع الكتابة‏..‏ الكتابة التي ترك نفسه لها فكان المرض وألمه‏,‏ عامودها ورابط المشاهد الفوارة بالحياة فيها‏..‏ كتبها في اربعة أشهر وقرأها علي أصدقائه في اربعة أشهر ثم رحل عن الحياة فكأنها كانت شهادته المكثفة‏:‏ الحياة عن فضاء الألم‏..‏ ومن فضاء الألم‏..‏ وفي فضاء الألم‏..‏ يصف العملية والعملية هي الجسر أو الوصلة مابين شريان ووريد‏..‏ يفتح الجراح ويبحث عن الشريان في العمق ليصله بالوريد في السطح ليصير

الوريد شريانا ويتدفق فيه الدم آتيا من القلب‏..‏ هذه العملية هي روح الغسيل الكلوي‏..‏ قد تستمر في نجاحها سنوات‏,‏ وقد تتوقف في أي لحظة‏..‏ فيفتشون عن وريد وشريان آخرين‏.‏

أحيانا يستنفد كل الأماكن الصالحة فلا يبقي سوي زرع وريد صناعي‏..‏ القساطر‏..‏ الأوردة المسدودة‏..‏ وخزات الصدر والرقبة والأذرع‏..‏ العملية التي يصبح مكانها أيا كان‏,‏ اشارة لامكانية الاستمرار في الحياة‏..‏ الاستمرار في الغسيل ويصبح الانصات لوقع النبض فيها‏..‏ انصات لنبض الحياة‏..‏ تلك جزئية‏..‏ جزئية صغيرة جدا‏..‏ بها ببساطة‏,‏ نفس البساطة التي يدخلك بك هذا العالم الذي يتواتر العطب علي مكوناته ويصبح الانسحاب منه أمرا غير مفاجيء وحتي يكتشف انه صار أقدم المرضي في وحدة الغسيل وذلك يعني أنه المرشح للرحيل‏..‏ ياه‏..‏ أي ألم يخطه بتلك البساطة؟

Top