-->

أسامة الدناصوري: كل أشكال التعبير توقفت عندي عندما اكتشفت قصيدة النثر

رشيد يحياوي

■التقيت الشاعر الراحل أسامة الدناصوري أول مرة يوم الأربعاء 3 كانون الثاني (يناير) 2002 ببيت الشاعر أحمد طه بالهرم، رافقنا في تلك الليلة التي استمرت إلى ما بعد منتصف الليل الشاعر عبد المنعم رمضان. تحادثنا عن الشعر والوطن العربي وجمال عبد الناصر ومصر والمغرب والديمقراطية على الطريقة العربية.

أسامة وحده كان قليل الكلام. كان يتكلم كمن يرغب في تجنب الكلام منصرفا إلى إشعال آخر من التدخين. تحدث عن مرضه بالكليتين وعن حلمه بأن يقضي شهرا كاملا منعزلا بين جبال كتامة

شمال المغرب. أكد أن شهرا هناك سيعده مقتطعا من الجنة. بنظرته البريئة للعالم وحبه الطفولي

للحياة وتواضعه المفرط في الإنسانية ومكابداته مع المرض، دخل أسامة إلى قلبي منذ اللحظة الأولى. وحين علمت بنبأ وفاته أجهشت في منزلي بالبكاء لدرجة أن زوجتي سألتني: أإلى هذا الحد كان عزيزا عليك؟

بعد ليلتين من لقائنا الأول ببيت أحمد طه أجريت معه هذه المقابلة القصيرة التي ختمت بها وقتها سلسلة استجوابات مع شعراء مصريين ولم أنشرها لغاية اليوم. ظل أسامة مترددا في تحديد موعد للحديث. بدا أنه حذر ومحتاط من أسئلة سيوجهها له شخص قادم من المغرب ويريد أن يسأل شاعرا مصريا عن رأيه في الشعر والشعراء.

والراحل معروف عنه أنه ظل بعيدا عن الحروب الكلامية وخنادق الشعراء. قصائده نفسها جد مقتصدة كما لو كان يكتبها بعد صراع طويل مع الشعر واللغة. لكنها مثلت تجربة متميزة ومتفردة

في قصيدة النثر المصرية والعربية. إنه واحد من مؤسسي هذه القصيدة في صفوف أجيال الشعراء الجدد الثمانينيين والتسعينيين.

رحل عنا أسامة الدناصوري ليلة الخميس 4 كانون الثاني (يناير) 2007 بعد صراع طويل مع

الفشل الكلوي. وهذا الاستجواب ، إهداء لروحه ولعائلته ولصديقه الحميم أحمد طه ولعبد المنعم رمضان، ولكل محبيه وذويه وأصدقائه. رحمه الله وعزاؤنا واحد.

نص اللقاء:

■ اتســمت بدايتك في الكتابة في أواسط الثمانينات بقــدر من الغزارة نســبيا ثم تراجعت إلــى كتابة قليلة من حيــث الكم، هل ذلك بســبب ضغط المحيط اللاشــعري أم لرغبة في التأمل أكثر في التجربة الشعرية؟

■ لتفسـير ذلـك، لا أعتقـد أن للواقـع المحيـط دورا مباشـرا في اتسـاع الفتـرات بين قصيـدة وأخرى وفي توقفي لشـهور دون كتابـة. وأعتقد أن المسـألة تخص التغيـرات فـي طبيعتي أنـا شـخصيا. كان فرحي بآلة الكتابـة في البداية فرحـا طاغيا، وإحساسـا ربما كان مبالغـا فيه بخطورة هذه الهبة وشـغفي باسـتخدامها لرؤية كل تفصيلة شـعورية أعيشـها، ثـم فرحي بالآلة نفسها، بالشـعر نفسـه كفن وكصياغة ومحاولة دائما للإجـادة وتجويد هذه الآلـة. فكانت القصائـد كثيرة، وكنـت أكتـب بالعاميـة والفصحـى. ولكن حـدث تغير فـي طبيعـة علاقتي بهـذه الآلـة. فبدأت علاقتي تنشـأ بقصيـدة النثـر وبـدأ إحساسـي يتنامـى ويتضاعـف بأن هذه الطريقة هي الأنسـب لي. فتوقفت كل أشـكال التعبيـر التـي تحتفـل بالموسـيقى والصـورة اجملردة والبنـاء الجمالـي الـذي يخـص اللعبـة نفسـها، وبدأ الاهتمـام ينمـو بالمقـول نفسـه، وبمحاولاتـي الدقيقة للإفصاح عنه بدقة.

■ مــن المعروف أنــك تكتب بالعاميــة والفصحى. هل كتابتــك بالعاميــة تعنــي أن الفصحــى لم تســاعدك على الإفصاح عما سميته بالمقول، بالدقة التي تطلبها؟

■ مـا حـدث فـي الواقـع عكـس ذلـك، فلقـد توقفت الكتابـة بالعاميـة عنـدي فـي زمن مبكـر عندمـا كانت علاقتـي تنمو بقصيـدة النثر، سـنوات طويلـة لم يرد علـى ذهني جملـة واحدة بالعاميـة ولا تحركت داخلي رغبـة فـي الكتابـة بهـا. لا أعتقـد أن العاميـة أدق مـن الفصحـى فـي التعبير عـن جوانـب خفية فـي الروح، إنهمـا لغتان قادرتـان على فعل ذلـك. الفاصل في رأيي هو علاقة الشـاعر بكل منهمـا، لقد كتبت بعد توقف دام 10 سـنوات، وبالتحديد سـنة 1999 قصيـدة بالعامية.

وجـاءت مغايـرة تماما للغـة العامية التي كنـت أكتبها قبـل 10 سـنوات. جاءت أيضـا قصيدة نثـر بعيدة عن منطلق صنع الصـورة وصنع اجملـاز والتأنق وتجميل اللغة. ولم أحس أننـي أغير صوتي ولا نبرتي كما كنت أحس في الماضي. عندما ترى قصائد الفصحى وقصائد العامية القديمة من الصعب أن تصدق أن كاتبهما شاعر واحد. كنت أفكر وأحـس وأهتم بمواضيع ما وأنا أكتب

بالفصحى، ثم أفكر وأحس وأهتم بمواضيع أخرى وأنا أكتـب بالعاميـة كما لو كانـت كل لغة صالحـة لنوع من الأفكار والمشاعر عندي. لكني لا أحس بذلك الآن.

■ لمــاذا مثلا كتبــت القصيــدة الأخيــرة بالعامية ولم تكتبها بالفصحى؟

■ سـؤال مهم للغاية، ولكن أحـب أن أعطيك خلفية سـريعة عـن القصيـدة. لقـد كتبتها فـي رثـاء صديقي الشاعر مجدي جبر، شـاعر العامية. ليس لهذا بالطبع أي دور في اختيار العامية. ولكن السـبب الأساسي في رأيي أنني لم أكن محتشـدا لكتابة الشـعر على إطلاقه ولكتابـة قصيدة رثـاء بالتحديد. كانـت رغبتي الأولى أن أدردش مع مجدي، وأتحدث معه قليلا عن الموت، بلا أي أقنعة من أي نوع. كما لو كان جالسـا على الكرسـي المقابل.

■ ذكــرت أنــك باكتشــافك الكتابة في قصيــدة النثر بالفصحــى تراجعــت عنــدك الكتابــة بالعامية، مــا الذي منحتك إياه قصيدة النثر؟

■ أدين لها بتواضعي. كان هناك زهو زائف وأعتقد أنـه موجود عند كل شـاعر يكتـب القصيـدة الموزونة، هو الإحسـاس بخطر الكلام وأنه يقول كلاما سـاحرا، كلاما غير عادي، ككلام الأنبياء والسحرة. هذا الطنين والجـو المفارق الـذي يحيط بالقصيدة لحظـة قولها أو قراءتهـا، ينتقـل بالشـاعر وبالقصيدة معـا ليفصلهما قليـلا عـن اليابسـة، أعتقـد أن الكتابة بقصيـدة النثر تفـرض عليك أولا أن تتخلى عن هذا الزهو راضيا، وأن تهتم فقط بالجسـد الذي تحتويه هذه الشبكة النحيلة

المتقشفة.

■ بخلاف رأيــك هذا عن القصيــدة النحيلة، هناك من يرى قصيدة النثر قصيدة مترهلة.

■ قصيـدة النثر في رأيي يجب أن تكون أقل الأنواع الأدبيـة ميلا للترهل. إن ترهلـت قصيدة النثر في رأيي أصبحت كتابة رديئة كأي كتابة رديئة. أحيانا تؤرقني مجـرد لفظة لأيـام طويلة ولا أسـتريح إلا باسـتبدالها بلفظـة أخرى. لا بد ألا يكون هناك أي فائض عن حاجة المقول. هي أكثر كشفا لهذا الترهل إن وجد من القصيدة الموزونـة. ولذلك القصائـد الناجحة فـي النثر لا تكون ناجحة بسهولة.

■ معنــى ذلــك أن القصائد المطولة التي تــدرج أحيانا تحت صنف قصيدة النثر، يستحسن ألا تسمى كذلك؟

■ لا علاقـة للدقـة التـي أقصدهـا بطـول القصيـدة أو قصرهـا، قـد تطـول قصيـدة النثـر حتى تصـل إلى ديـوان كامل، وتظـل قصيدة بدون إغفـال عامل الدقة، وقـد يكـون هناك نص من عـدة أسـطر، وتنقصه الدقة والإيجـاز الذي يجعلـه قصيدة. لا بـد أن يكون الثوب على مقاس الجسد بلا زيادة أو نقصان.

■ لنتوقف عند ديوانــك « مثل ذئب أعمى»، فلدي عنه ثلاث ملاحظات، لا أعرف إن كنت متفقا معي فيها. ولنبدأ بالأولى. فقد بدا لي أن من المكونات الأساسية في الديوان هو ما يمكن تسميته بشعرية القبيح.

■ هي ملاحظـة صائبة، وقد سـماها صديقي محمد بدوي «شـعرية الشر»، أعتبرها شـعرية قبح أو قبيح، والقبيح ليس بالضرورة شرا.

■ قصــدت بأنــك تنجذب للجانــب القبيح فــي العالم لتجعله يستوطن شعرية الديوان بكل رحابة.

■ لكنـي فقـط أرى العالم كمـا هو، ورغـم اعتمادي أحيانـا على تفاصيـل ومفردات قبيحـة إلا أن طموحي الأساسي أن أشيد بها نصا جميلا.

■ الملاحظة الثانية أعدها نوعا من اللعب الشعري بما يدخل في المقدس؟

■ أفهم بالطبع ما الذي دفعك لمثل هذا السؤال، كانت هناك في لحظة ما، معركة بشكل من الأشكال بيني وبين المقـدس تخـص رحلتـي المعرفيـة، وكان بالطبـع لهذه المعركـة دوي في قصائدي الأولى. ولكن منذ سـنوات، هـدأت هذه المعركـة تماما وبالتالي يصعـب أن تجد لها أثرا في قصائدي اللاحقة.

■ الملاحظــة الثالثة تتعلق بحــدود التماس في بعض قصائدك بين الشــعري والنثري. ألا ترى أن هناك حدودا معينة يتوقف فيها الشعر ويبدأ النثر؟

■ السؤال بالنسبة لي محير لأنني من الممكن أن أراه ينطلق من مكان لا يثق في قدرة النثر على صنع الشعر مبدئيا، وهذا يجعل الإجابة بلا داع. إلا إذا كنت ترى أن الخيـط يفلت من يدي كلاعب يحيـد عن الطريق ليضل ويغيـب فـي طريـق آخـر. ولهـذا أرى السـؤال محيرا. ولكن دعني أقول، إن الشعر والنثر ـ أو إذا شئنا الدقة ـ فالشعر وغير الشعر لكل منهما طريق مستقل عن الآخر تماما. ولكي تسـير على طريق الشـعر لا يهـم أن تكون العربـة التـي تركبهـا نثرا أو نظمـا. وبتعبيـر آخر، إذا اعتمدت على النثر كلغة لكتابة الشعر فيجب أن تحترم تقاليد النثر وتسـتفيد بإمكاناته من سرد وخشونة... الـخ، لكن مع عـدم الغفلـة عن الهـدف الأساسـي وهو القبض على الشعري بوسائل النثر.

Top