-->

الشعرية الجديدة "إجابة على أسئلة"

* سيكون من العسير عليّ الإمساك بملامح وسمات خاصة بشعرية جديدة، ما زالت حتى الآن في طور التكوّن.ولكن – وبالرغم من ذلك – أعتقد أن بإمكاني الاقتراب قليلاً وربما لجأت في جزء من كلامي للتعريف بالسلب، وهذا آمن الطرق، خاصةً وأن هذه الشعرية الجديدة تكاد تعي جيدًا طرائق التعبير، وأساليب الكتابة الخاصة بشعريات سابقة أو مغايرة، تقف هي ضدها بسفورٍ، وتعتقد أن امتيازها الأساسي هو الخروج عليها، أكثر من وعيها بملامحها وطرائقها هي.

* وأهم ملمح في إمكان متتبع حركة الشعر الحديث رصده هو اختفاء نموذج الشاعر الكبير كليّ المعرفة. وهو الشاعر الذي يستطيع رؤية العالم بنظرة واسعة من مكانه السامق، والذي تطمح قصيدته دائمًا أن تكون عالمًا آخر موازيًا ومكتملاً ومغلقًا على ذاته. وأهم شعراء هذا النموذج وأكثرهم اكتمالاً: "أدونيس". وتلامذته كثيرون، في مصر وخارجها.

* أيضًا، اختفاء نموذج الشاعر النبي، العارف ببواطن الأمور، الناصح، أو النذير لمجتمع غافل، أو الصوت المتمرد الخارج على هذه الجماعة البائسة، ملخصًا لها كشاعر قبيلة.

وهناك أشكال مختلفة يتجلى فيها هذا النموذج. مثلاً:

- النبي الفيلسوف، ويمثله في أصفى حالاته: صلاح عبد الصبور.

- النبي المتمرد الملتزم (سياسيًا): ويمثله على سبيل المثال: أمل دنقل.

- النبي البيانيّ (الجمالي):

والنبوّة في النوع الأخير أكثر خفاءً، خاصة أن أصحابه خرجوا بوعي على نموذج النبيّ المتحقق بشكل واضح في شعر صلاح عبد الصبور وأمل دنقل على سبيل المثال.

ولكنهم وقعوا في نبوة من نوع آخر، تحتفي بالخطاب الشعريّ من حيث هو خطاب بياني، لغوي، تجريبي.

الشغل الشاغل لشعراء هذا النموذج هو الالتزام العقائدي (الديني) بقيم (الحداثة) النقدية نقلاً عن الوسائط المترجمة لتقاليد الحداثة الغربية. وهذه القيم على سبيل المثال:

(تفجير اللغة – الإزاحة في أكثر حالاتها تطرفًا – المستويات النحوية والتركيبية المعقدة على مستوى الجملة والنص – الصورة المربكة المحيرة للقارئ – النص باعتباره "فضاءً للتأويلات").

ويندرج تحت هذا التصنيف أغلب شعر السبعينات المصري.

على سبيل المثال: (حلمي سالم، أمجد ريان، عبد المنعم رمضان، محمد عيد) مع مراعاة الاختلافات الكبيرة لكل منهم عن الآخر.

* لم تختف هذه النماذج من الشعرية الجديدة – التي نحن بصدد توصيفها – لصعوبة تكرارها كظواهر استثنائية، بل لانتفاء الشروط الموضوعية الواجدة لها، والتي تتمثل في حركة مجتمع وأحداث كبرى وانعطافات هامة في تاريخ هذا المجتمع.

- ولتوضيح ذلك فإنني أرى في اعتقادي أن المناخ السياسي والثقافي في مصر في فترة الستينات كان مبررًا كافيًا لخلق نموذج مثل أمل دنقل الذي وجد نفسه مضطرًا للدخول في علاقة مباشرة مع السلطة والخطاب الرسمي بوصفه مثقفًا وشاعرًا فقام بتبني الحلم القومي والدعوة له من ناحية، وانتقاد سلطة ومسيرة سياسية والتنبؤ بهزائمها والحسرة على أوضاع متردية فيما بعد 67 وما بعد معاهدة كامب ديفيد بوصفه صوت الجماعة من ناحية أخرى.

- وأيضًا فيما يتعلق بالشعر السبعيني الذي شاهد وعايش انحسار المدّ السياسي والقومي وفقدان الثقة في زعماء وأنبياء ووجد نفسه يعيش لحظة ماسخة منهزمة منحسرة، فصبّ حنقه على الفترة السابقة بكل رموزها وقيمها وأهمها الالتزام السياسي الذي عاد بلا معنى. ولجأ لعزلته معاديًا الثقافة الرسمية ومؤسساتها ولذلك وجَّه كل طاقته لمعمله وتجريبه وعلاقته بالقصيدة كملاذ وحيد وبيت لغوي يسكن فيه بديلاً عن واقع مخاصم. ولذلك فأنا لا أرى أن القصيدة السبعينية تخلو من النبوة ولا من السياسة بشكل أو بآخر. وإن كان شكلاً معكوسًا.

* يجدر بالذكر أن وجود هذه النماذج بالشكل الذي وجدت عليه كان ضروريًا في لحظته حسب اعتقادي.

أما استمرارها أو انبعاثها ثانية في اللحظة الراهنة فيكاد يكون أمرًا غريبًا وغير منطقي. لأن للحظة الراهنة في تصوري شروط أخرى وحاجات أخرى وإنسان آخر بوعي مغاير وحساسية مختلفة ونظرة جديدة للعالم والأشياء – نظرة بريئة من عدسات أيديولوجية سميكة – وبالتالي شعرية مختلفة تبتعد عن شعريات سابقة بقدر ما تقترب من جوهر لحظتها الراهنة.

وسأحاول جاهدًا الاقتراب من السمات التي تميز هذه الشعرية:

(1) لا تنفجر الشعرية هنا من خلال اللغة بوصفها نبعًا لا ينضب وضرعًا لا يكف عن الإدرار طالما كانت هناك يدٌ حاذقة بمقدورها استحلابه، ولذلك تكاد تختفي الجمل الكبرى ذات المستويات النحوية والتركيبية من تقديم وتأخير ولعب بمستويات الإصاتة والنحو لاستيلاد الشعر الكامن أصلاً في رحم اللغة.

وهذا يسمح للشاعر أن يقوم بالدور المنوط به بدلاً من إسناده للغة وتعيين نفسه كاهنًا أو سادنًا لمحرابها.

هذا ليس معناه انتفاء دور اللغة أبدًا – فلست غافلاً عن أن الشعر فنٌ لغويّ في الأساس – ولكن اللغة كما أتصورها يجب أن تكون لغة حية بمعنى كونها (لغة عضوية) تطمح للتطابق مع شرطها الروحي والإنساني.

(2) تغير أساليب المجاز مع قلة الإتكاء على الاستعارة، فالصورة هنا تميل لكونها صورة مشهدية، أكثر من كونها صورة بلاغية، والإتكاء على تيمات أخرى تصلح أكثر من غيرها لإنجاز مشهدية الصورة أو الموقف الشعري. ومنها السرد بحياده ونثريته، وعمومًا سنجد أن القصيدة الجديدة مستفيدة من فنون أخرى مستعيرة أدواتها وأبرز هذه الفنون: القص، والسينما.

(3) تنقية المعجم اللفظي قدر الإمكان من مفردات وأساليب تنتمي إلى بيئة قديمة والجنوح إلى مفردات أكثر حياة تقترب من الممارسة وهذا يساهم بالتأكيد في القبض على روح اللحظة التي يحياها الشاعر.

(4) الملمح الأهم في نظري ليس ملمحًا شكليًا صرفًا، ولكنه، بغض النظر عن محاولة تسميته، يحدد مكان الكتابة الذي يميّز بشكل حاسم شعريةً عن شعريةٍ أخرى. مكان الرؤية وطريقة النظر للعالم وكيفية التعامل مع الإنسان والأشياء والمثيرات المحفزة للكتابة.

هذا الملمح هو اقتراب الشعر من: الشخصي، والجزئي، والنسبي، في مقابل العام، والكلّي، والمطلق.

الشخصي وليس (شعر الحياة اليومية)، والجزئي وليس (شعر التفاصيل)، والنسبي وليس (شعر الأشياء الصغيرة).

لأن كلمات من قبيل (اليومي، والتفاصيل، والصغير) أضيق من أن تعبّر عن طموح القصيدة الجديدة. بل أصبحت تشبه الوصفة الجاهزة لكتابة قصيدة لا تختلف عن وصفات سابقة.

وأنا أرى أن اليومي أحد تجليات الهم الشخصي أو يجب أن يكون، لأنه قد يُوظَّف لصالح فكرة نبوية أو موقف إيديولوجي عام.

وكذلك (التفاصيل) ملمح من ملامح (الجزئي)، وأيضًا (المتناهي في الصغر) يقع تحت النظرة النسبية للأشياء.

وأحب أن أضيف أن ليس كل (شخصي) هو بالضرورة يومي ووقائعي. فقد يكون الشخصي ثقافيًا ومعرفيًا أو حتى لغويًا، فقط نفتش عن نسبية وشخصانية المعرفة والثقافة واللغة، بدلاً من الإطلاق والشمول.

(5) قد نجد أيضًا أن من السمات المميزة لهذه الشعرية جرح التابوهات الأخلاقية والاجتماعية. لا تحمي هذا الخروج عقيدة مثالية ترى أن هذا هو الخلاص للجماعة. ولكن لأن هذه التابوهات معوقات تعوق الشاعر الفرد وتعرقل خطواته بوصفه إنسانًا على طريق نضج وتحرر وعي.

هذه التابوهات ليست عامة بمعنى أن تابوهات شاعر ما قد تخصه وحده وقد تتشابه في بعضها مع شاعر أو فرد آخر.

ولذلك يكثر اللجوء إلى السيرة الذاتية واللحظات المؤلمة الحية في الذاكرة والعلاقة بالمرأة والأسرة والأصدقاء بل والعلاقة بالأدوات الشخصية مع نقض هذه العلاقات لفرز ما يخصه وما لا يخصه والتحرر بالتالي من تابوهاتها لإقامة علاقات أنضج وأكثر تحررًا.

* يصبح الشعر بذلك كما كان دائمًا على مدار التاريخ وسيظل مرآةً لحركة الوعي بالذات وبالعالم.

* يطمح الشعر في الاقتراب من الإنسان لا كمشروع إيديولوجي ينشُد يوتوبيا إنسانية. ولكن كحل وخلاص فردي وبذلك يمارس دوره الأصح من الوحدة إلى الجماعة. وليس بوصفه خطابًا يوجّه من منبر عالٍ لآذان صاغية، (خطابًا دينيًا، إلهيًا، متعاليًا).

* أما الإجابة على الجزء من السؤال الخاص بتحديد أسماء الممثلين لهذه الشعرية الجديدة. فلا أعتقد أن المقام يسمح بذلك، خاصة وأنني أرى أن هذا جدير بكونه موضوعًا لدراسة مستفيضة متأنية. تشتغل على نماذج شعرية وأمثلة من قصائد الشعراء وتتتبّع نمو واكتمال مفهوم جديد للشعر وانزياح وتلاشي مفهوم آخر لأنني كما أسلفت القول أكرر أن هذه الشعرية الجديدة ما زالت في طور تكونها.

ولكن ما أراه جديرًا بالذكر هنا أن هذه الشعرية ليست حكرًا على جيل بعينه دون أجيال أخرى. ولكنها مكان كتابة قد ينحاز له شاعر من جيل سابق وقد يجافيه شاعر من جيل أحدث.

Top