-->

الأعشاب

حمدي أبو جليّل

في شهر اغسطس سنة 1995 رأيت اسامة الدناصوري لأول مرة. طبعا كنت سمعت عنه من قبل، وكنت اسخر من عنوان ديوانه "حراشف الجهم"، كان هو وديوان "قبر لينقض" لمحمد عيد ابراهيم مادة جيدة للضحك، وحينما أخبرت اسامة بعدما توطدت علاقتنا غضب جداً، ليس من السخرية من عنوان ديوانه ولكن من مساواته بديوان محمد عيد ابراهيم.

في ذلك الوقت كنت توظفت في الثقافة الجماهيرية، وكنت عارف البانجو جديد، وكنت مفلساً، وعديت على "الأتلييه" وقابلت الكاتب شحاتة العريان، صديقي وزميلي في الثقافة الجماهيرية، وسألته "مفيش حاجة" فقال "نعم؟" فقلت "أعشاب يعني" قال "لا والله لكن ممكن نروح لأسامة "قلت" اسامة! "قال" أيوة اسامة الدناصوري أكيد عنده "قلت" طب اتصل بيه "قال" مش لازم نتصل إحنا هنرحلوا البيت وأكيد عنده".

وركبنا من ميدان "عبد المنعم رياض" على شارع فيصل، ونزلنا على ناصية شارع العشرين وتمشينا ناحية عمارة حديثة نسبياً وتفتح على مقلب زبالة، وطلعنا الدور الثالث شقة 11 وفتح لنا اسامة، قصير مثل العريان لكن شامخ ويرتدي بيجامة كحلي بها خطوط رفيعة بيضاء، وأدخلنا إلى حجرته التي صارت أحب الي من شقتي نفسها: مكتبة أنيقة مرتبة بعناية فائقة حسب النوع وتأخذ جداراً كاملاً ينتهي بباب البلكونة، وكنبة من قطعتين تصلح للنوم والقراءة والكلام وقياس ضغط الدم، وتربيزة عليها كمبيوتر وسط "نيش" صغير تظهر منه شرائط كاست مرتبة بعناية حسب اسماء المطربين، وأكثرها لأم كلثوم (أسامة كان يموت في ام كلثوم وعبد الوهاب وعبدالمطلب وفايزة ومتقال والضوي والبرين وكثيرين غيرهم) وسجادة او كليم مفروش على أرضية من الباركيه اللامع.

جلسنا، وعلى الفور باشر أسامة عمله في منتهى الجدية والاخلاص. أولاً فتح باكيتة البانجو بحرص وشمها وقال "لسة واخدها من خلف قبل ما توصلوا على طول"، ثم فرك البانجو ونقاه جيدا من البذور والشوائب، وحوله إلى مسحوق في منتهى النظافة والنعومة، وملأ به علبة دواء اسطوانية طويلة وأغلق عليه جيدا، وقال "هجيب الشاي"، وخرج وعاد بالشاي، ثم جاء بعلبة صغيرة وفتحها، بها مقص صغير ودفتر بفرة وبقايا دخان مفروك، ومد يده أعلى الكمبيوتر وسحب غلاف كتاب أبيض واسود وضحك وقال بزهو "غلاف ديواني حراشف الجهم، باضرب منه من زمان"، وبدأ في عمل الفلاتر، طبق الغلاف بعناية وحرص وقصّه أربع مربعات، والمربع الواحد قصّه مربعين، ثم اندار على الفلل، فلل السجاير، أزال عنها أغلفتها وقسم كل فلة في ثلاث شرائح من الفل المنفوش، وكل شريحة لفها في فلتر، ونظر الي وقال "كده أحسن، فيه ناس بتعمل الفلتر حاف بدون فلة، ودا مضر جداً، يمكن يدخّل تراب للصدر، وكمان بيعمل مشاكل في الحلق"، ولف ثلاث سجاير، ومن أول نفسين تهت، كنت مستجد في البانجو، ولم أصل بعد لمرحلة الشراء، وصلتها طبعاً فيما بعد، وشاركت اسامة في العديد من الصفقات، ويومها تهت نهائيا، ولا أذكر كيف ودعت أسامة، ولكني اذكر جيداً انني ضحكت كثيراً، وكنت خجلاً من نفسي، أمسك نفسي قليلاً وأنفجر في الضحك، وأذكر أيضاً انني دلقت الشاي، وأسامة جرى على الحمام، وبدا خبيراً ومتعوداً، وعاد بفوطة مبلولة ومسح الشاي في اسرع من البرق وهو يقول "عادي جداً، بيحصل كل يوم، مايهمكش حاجة ابدا، أهوه راح خالص ومراتي مش هتاخد بالها أبداً".

كنا في الصيف، وخرجنا من عند اسامة حوالي الخامسة أو السادسة، وفي الشارع حسيت أني أدور في دائرة تنتهي بوجه اسامة، وكلما تنتهي تبدأ مرة اخرى، والعريان حذرني أكثر من مرة من عواقب الاصطدام بالناس هكذا، وسحبني من شارع إلى شارع، وكانت رجلي ثقيلة وكأني ماشي في بحر، وركبنا شيئا لا أذكر ان كان المترو أو الميكروباس، وفي النهاية وصلنا إلى مكان له بوابة كبيرة عليها حرس وداخلها مجموعة مباني بينها جنينة، وملت على العريان وسألته "إي ده" فقال "دي شركة الحديد والصلب" فاندهشت وقلت بصوت عال "شركة الحديد والصلب!" فقال "وطي صوتك.. عاملين ندوة وهنشارك فيها وناخد ستين جنيه واحنا واقفين".

ودخلنا إلى قاعة فيها منصة أو مكتب مرتفع وعليه الشاعر الصحافي حزين عمر والشاعر النقابي عمارة ابراهيم وشخص ثالث أظنه مسؤولاً في الشركة، وفي الناحية الاخرى كراسي مرصوصة على طريقة السينما وعليها جمهور لا بأس به.

أنا والعريان صعدنا مباشرة على المنصة. هو جلس على طرفها اليمين بجانب المسؤول وأنا جلست على الشمال بجانب حزين عمر، وكان حزين يتكلم، لا يلقي شعراً ولكن يتكلم بجدية متناهية، وأنا تحينت الفرصة، موضوع الستين جنيه شجعني كثيراً، وبمجرد ان انهى الجملة التي بدأها حينما وصلنا، انقضضت على الميكرفون، لا أعرف بالضبط ماذا قلت، ولكن الناس انبسطوا وضحكوا كثيراً وسلموا علي بحرارة بعد الندوة، وأخذنا المسؤول إلى مكتبه وأعطى ظرف لكل واحد منه ثلاثون جنيهاً.

.

Top