-->

كلبي الهرم.. كلبي الحبيب (مختارات)

 

...........

كلبي الهرم، كلبي الحبيب

الثلاثاء 20/ 06 (الواحدة بعد الظهر)

س قابل ص وسأله: - إزيّ الحال.. - واللهي الحال واقف اليومين دول. - طب يا شيخ اِحمد ربنا انك لسة عندك حاجة بتُقَف. لطالما أضحكتني هذه النكتة التي حدثت بحذافيرها، وحكاها لي بطلها (أحمد يماني)، التقى (حسن سرور) في إحدى ردهات هيئة الكتاب، حيث يعملان. أتذكّر هذه النكتة الآن، هي ونكات أخرى، كدعامة ناعمة، لذكورتي المختالة التي تنظر اليوم بعين قانعة إلى ماضٍ قريب، كانت تبرطع فيه، وترفس الهواء بقوة، فتتطاير زخّات العرق، ويدوّي صوت عروقها النافرة، وزفيرها الملتهب. أتذكّرها مبتسماً وأنا أنظر إلى حالي. حالي الذي لا أنسى أبداً، أنه كان مصدر اعتدادي، وعُكّازي المستتر الذي أرتكز عليه، والذي عصمني في فترات عصيبة، من التوهان في ظلمات البحث عن حجر أو جدار، يمنع الذات من البعثرة. حتى نضجت تلك الذات بطيئاً، على نارٍ هادئة، لتكتشف أن ركيزتها الخاصة، ما هي إلا هي نفسها. أنظر إلى حالي، فأرى كلبي الهرِمْ، كلبي الحبيبْ الذي يرقد بجواري على السرير، سانداً رأسه على يديه المفرودتين، وناظراً إليّ طوال الوقت بعينين ناعستين، يفاجئني أحياناً وأنا ذاهلٌ عنه، بإفاقته، وارتعاشة عضلات جسده، وطرقعة أذنيه، ونباحه القادم من عالم آخر. يشرئب محاولاً لمس كتفيّ بيديه، واضعاً عينيه في عينيّ بالضبط، كأنه يقول لي: أنا هو، كلبك السلوقي الذي طالما قنص من أجلك الطرائد، وطالما ملأك بالزهو الصامت، وسط بقية الصيادين. ثم لا يلبث أن يعود إلى سُباته العميق. نمْ يا صديقي. نمْ وحرّرْ نفسك من الخجل الذي لا يليق بك. ومن إحساسك الدائم بالتقصير، وخذلانك لي في لحظات حرجة. حرّرْ نفسك من وهم إرضائي. واعلم بأنني فخور بك. وبأننى راضٍ تماماً. ولكي تطمئن: اعلم أيضاً بأنني بتّ لا أهوى الطّراد. وبتّ لا أنخدعُ بمرأى الطرائد التي تتقافز أمام عينيّ طوال الوقت. الطرائد فى الرأس يا صديقي. إنها تسقط من تلقاء نفسها بين يديّ الآن كلما رغبتُ فيها. فقط عليّ أن أرغب فيها بقوة.  

الولاعة الصفراء الجديدة

الخميس 20/4/2006

1,30 صباحا

أخيرا وجدت ولاعتي الزرقاء. ( في الحقيقة، لقد وجدتها في الصباح، ولكن يبدو أنني مازلت مغرما بالجمل الكبيرة التي تقبض علي المستمع أو القارئ، وتثبته، لكي يكون كله آذانا صاغية).

كانت في (المج) مع الأقلام. الأقلام التي لا أكتب بها شيئا، ولكني حريص علي أن تكون دائما هناك. وإن حدث وكتبت، إن حدث، فأي قلم، وعادة يكون من مكان آخر.

وضعتها فيه مرة عند ما قلت لنفسي سأقلع عن التدخين. كانت مليئة بالغاز، ولم أكن أحب أن أرميها في الدرج الخاص بالولاعات الفارغة. يوجد الكثير منها.

إنني نادرا ما أرمي شيئا. أحبٌ أن أصحو فأجدها (كنت سأقول: أصحو فلا أجدها عوضا عن أن أرميها بنفسي).

هذا موضوع طويل، لست فارغا له تماما الآن.

نزلت اليوم.. لا.. نزلت أمس ، بولاعة جديدة ، وعلبة بها أربع سجائر.

أنا في الأيام الأخيرة أحاول ألا أتجاوز خمس سجائر في اليوم. لكنني مرات قد أفاجأ أنني دخنت 11 أو 12 سيجارة.

أنا أحب التدخين، كما أحببت أشياء كثيرة.

إنها حياة كاملة.

ما ذكرني بالولاعة، أنني بحثت عن الذهبية النحيفة الجديدة، التي نزلت بها، وأمضيت بها سهرتي عند ( حاتم) وجلست بها في آخر الليل مع حمدي علي مقهي في شارع فيصل.

كنا مسطولين, عندما ركبنا عربتي البولو الخضراء ، ناويا توصيل حمدي أولا، لأن عربته (المرسيدس) تشكو من بعض الأوجاع. ظللنا صامتين فترة طويلة، كان يستمع إلي إذاعة الأغاني. وكنت أقاوم إعصارا من الكلام يدوٌم بصدري ورأسي, وأتردد. أنظر لحمدي ، وأعود للصمت. كنت أوقن أنني إن لم أتكلم، سيموت الكلام داخلي ويتعفن. ولن أستطيع كتابته، لأنني كنت أشك في قدرتي علي الكتابة ثانية. (أنا متوقف منذ ثلاث سنوات).

لم أكن أعلم أي شئ عن كنه هذا الكلام، وعن أي شئ يدور، فقط هناك كلام، وكلام غزير، ولابد أن يسمعه أحد.

عدت أنظر لحمدي: إنه صديقي. ولأنني أعلم أن هذا ليس كافيا، رحتج أطمئن نفسي: إنه ذكيٌ، حسن التقدير، يقظ الروح. وفجأة امتدت يدي وأطفأت الراديو، وعدت للصمت ثانية. وهو لم يسأل، بل ظل صامتا معي. (ألم أقل إنه ذكي؟).

ثم انكشف الغطاء، وخرج الكلام بصوت مبحوح ، وحماس لم يرني حمدي به من قبل. لدرجة أنني أشفقت عليه. ولأن الطريق أوشك علي الانتهاء, والكلام في بدايته ، اقترح حمدي أن نجلس علي أحد المقاهي.

 الولاعة الصفراء في النهاية أخذها حمدي. رغم أنه يمتلك واحدة هي أخت لها. تكاد تكون توأمها.

كنت كلما أردت إشعال سيجارة, أبحث عنها ، ويبحث هو ، ثم يخرجها ، فأقول له: خذها, أنا لديٌ واحدة أخري في البيت، ولم يكن يرد عليٌ.

وفي مرة, أخرج ولاعتين صفراوين متماثلتين.

أنا متأكد أنه عندما يفرغ جيوبه في البيت سيضحك.

.. وربما لا.

...........

كلبي الهرم، كلبي الحبيب

الثلاثاء 20/ 06 (الواحدة بعد الظهر)

س قابل ص وسأله: - إزيّ الحال.. - واللهي الحال واقف اليومين دول. - طب يا شيخ اِحمد ربنا انك لسة عندك حاجة بتُقَف. لطالما أضحكتني هذه النكتة التي حدثت بحذافيرها، وحكاها لي بطلها (أحمد يماني)، التقى (حسن سرور) في إحدى ردهات هيئة الكتاب، حيث يعملان. أتذكّر هذه النكتة الآن، هي ونكات أخرى، كدعامة ناعمة، لذكورتي المختالة التي تنظر اليوم بعين قانعة إلى ماضٍ قريب، كانت تبرطع فيه، وترفس الهواء بقوة، فتتطاير زخّات العرق، ويدوّي صوت عروقها النافرة، وزفيرها الملتهب. أتذكّرها مبتسماً وأنا أنظر إلى حالي. حالي الذي لا أنسى أبداً، أنه كان مصدر اعتدادي، وعُكّازي المستتر الذي أرتكز عليه، والذي عصمني في فترات عصيبة، من التوهان في ظلمات البحث عن حجر أو جدار، يمنع الذات من البعثرة. حتى نضجت تلك الذات بطيئاً، على نارٍ هادئة، لتكتشف أن ركيزتها الخاصة، ما هي إلا هي نفسها. أنظر إلى حالي، فأرى كلبي الهرِمْ، كلبي الحبيبْ الذي يرقد بجواري على السرير، سانداً رأسه على يديه المفرودتين، وناظراً إليّ طوال الوقت بعينين ناعستين، يفاجئني أحياناً وأنا ذاهلٌ عنه، بإفاقته، وارتعاشة عضلات جسده، وطرقعة أذنيه، ونباحه القادم من عالم آخر. يشرئب محاولاً لمس كتفيّ بيديه، واضعاً عينيه في عينيّ بالضبط، كأنه يقول لي: أنا هو، كلبك السلوقي الذي طالما قنص من أجلك الطرائد، وطالما ملأك بالزهو الصامت، وسط بقية الصيادين. ثم لا يلبث أن يعود إلى سُباته العميق. نمْ يا صديقي. نمْ وحرّرْ نفسك من الخجل الذي لا يليق بك. ومن إحساسك الدائم بالتقصير، وخذلانك لي في لحظات حرجة. حرّرْ نفسك من وهم إرضائي. واعلم بأنني فخور بك. وبأننى راضٍ تماماً. ولكي تطمئن: اعلم أيضاً بأنني بتّ لا أهوى الطّراد. وبتّ لا أنخدعُ بمرأى الطرائد التي تتقافز أمام عينيّ طوال الوقت. الطرائد فى الرأس يا صديقي. إنها تسقط من تلقاء نفسها بين يديّ الآن كلما رغبتُ فيها. فقط عليّ أن أرغب فيها بقوة.  

....................

المسخ الصغير

3 صباحا

الساعة الآن الثالثة صباحا. بعد ساعة وربع بالضبط ستصحو سهير. سيؤذن المؤذن أولا.

(أتمني ألا يكون ذلك الصبي الصغير، حفيد الحاج شكري، صاحب العمارة المواجهة، وبالطبع صاحب المسجد الرابض أسفل العمارة. كان (غفرالله له) هو كلٌ شئ: حارس المسجد، ومقيم الشعائر، والمؤذن، والإمام والخطيب. إن لم يكن يتنطع أمام أحد الدكاكين في المنطقة فهو في المسجد بالتأكيد. لم يكن سامحه الله يحبني (كده لله في لله). وأنا بدوري لم أكن أطيقه. كان عندما يراني ينظر لي (شذرا مذرا) ثم يولٌي وجهه. ويبدو أنه نكاية فيٌ أنا بالتحديد، وضع في بلكونته المواجهة لبلكونتي ميكروفونين هائلين متوجهين إلي شقتي.

أنا الآن أترحٌم علي أيامه وأفتقده أيما افتقاد. إذ بالرغم من أن صوته كان أجشا وكريها، وبالرغم من أنه كان مصدورا ودائم السعال، لم يكن الآذان يأخذ منه سوي ثوان معدودات ، يضيع نصفها في السعال. والخطبة التي كان يقرأها من ورقة، لم تكن تدوم سوي دقائق، ثم يقيم الصلاة.

ذات مرة، وفي منتصف إحدي الجمل أو الآيات، وهو علي المنبر، والناس قعود بالأسفل, يتجرعون الخطبة كدواء مرٌ منتهي الصلاحية، وأنا في البيت أمرٌر الوقت بأي شئ، وإذا بصوته يعلو فجأة: (امشي يا إبن الكلب منك له) ثم عاد وأكمل جملته وكأن شيئا لم يكن. خمنت أنه كان ولابد هناك بعض الأطفال يحومون حول باب المسجد وقتها.

بعدما مات الحاج شكري توارثت الميكروفون حناجر شتي. كل من هبٌ ودبٌ يجرب صوته في أذان فرض من الفروض.

وتقلٌبت علي أذني الأصوات:

هناك الحاد اللاسع. وهناك الغليظ البطيء. وهناك القوي الجبار الذي يزلزل البيت بي. لكنهم جميعا يسعون إلي التجويد والإطالة قدر ما يستطيعون، كل حسب طريقته.

لكن (كلٌه كوم وحفيده كوم)، ذلك المسخ الصغير، الذي يثقب أذنيٌ بصوت كريه ، هو مزيج من صوت العِيرسة والصرصار.

(الطفل يؤذن وأنا أخاف من صوته وأتشاءم)

إنني أحب الأطفال..

( لا.. ليس كل الأطفال..

... فقط الذين لا يؤذنون منهم ).

ستصحو سهير، ولن تجدني بجوارها، وستعلم لماذا نامت باستغراق هذه الليلة. إنني أشخٌر في الشهور الأخيرة شخيرا يوقظ النيام في الشارع المجاور. وأتحرك طوال الليل. ويدي اليمني التي تنام بجوارها (بل التي تسهر بجوارها كلعبة شريرة) دائمة الحركة كالبندوول. ودائمة الخبط في المرتبة. المرتبة الفخمة ، ذات السجسّت. والتي تضخم أخفت الأصوات ، وتجعله يرنٌ، ويرن، ويرن.

...........

كنا نعذٌب المحافظ

3,50 صباحا

أسمع الآن الأذان* أذان الفجر نفسه* بدون أية ضغينة. المؤذن علي غير العادة صوته رائق وخفيض.

سهير استيقظت منذ دقائق. الساعة الآن الرابعة إلا عشرة. كنت مخطئا وظننت أن الفجر في الرابعة والربع . صحّت هي بساعتها الخاصة قبل الأذان بدقيقة.

دخلت عليها الغرفة لأحضر الجيليه، وخرجت إلي البلكونة لأدخن. لم يكن الجو باردا.. أنهيت السيجارة، ثم دخلت, وخلعت الجيليه.

لقد رمقتني الآن وهي في طريقها إلي الحمام لتتوضأ. حيٌتني بيدها من بعيد، ولوٌحت لها. (كنت قد أخبرتها قبل أن تنام أنني قد أكتب شيئا).

أنا لم أكتب منذ ثلاث سنوات. تجري هل صدقتني هذه المرة؟. لكنني لم أقل لها من قبل أنني سأكتب. فلماذا أكذب عليها الآن؟

ستكون حياتنا أجمل في الغد ، والأيام القادمة.

هي لا تتوقع مني شيئا علي الإطلاق، ولا تتصور أني: (هاجيب الديب من ديله) ولا تعلم حجمي كشاعر.

مالها هي وماللشعر؟ (إنه عمل البؤساء) .

هي تذهب إلي المدرسة وتعمل بكل إخلاص. وكانت طوال الأسبوع الماضي تعمل في البيت من أجل معرضها السنوي، وتأخذ رأيي في مشغولاتها الفنية (طبعا جميلة) . لم أكن أتكلم كثيرا. وكانت بذكائها تقدر.

لكنني أحيانا أكون مضطرا للادلاء برأي حاسم عندما تسألني: هذا اللون أم ذاك؟ .. هذه الشراشيب، أم تلك الملاليم النحاسية في الأطراف؟

وأنا بدوري لست غبيا. كنت دائما أرجٌح لها كفٌة عن الأخري بلا تردد.

سهير دائما تثق في رأيي ثقة بلا حدود.

اشتغلنا معا لفترة، كانت تصنع عقودا من الأحجار الكريمة والفضة. كانت تفتن الجميع. وكان علاء خالد ومازال يعرضها في الجاليري. ويأتي كل فترة بورقة الحساب المفنٌدة وقبضة لا بأس بها من النقود، ويقول: اصنعي عقودا أكثر.

فيما مضي قبل فكرة العقود والحلقان، كانت تصنع حقائب جلدية. ذهبنا سويا مرات عديدة إلي (تحت الربع) لإحضار الجلود.

كنا نحضر الحيوان كاملا (جلدا فقط ومدبوغا بالطبع).

توجد عندنا بقرة نصف مدبوغة تنام علي الباركيه في الصالة.

بقرة كاملة، بشعرها الكستنائي، وأطرافها المجثوثة.

كان الجلد منه (الحور): ¢جلد الماعز¢، لصنع المحافظ وأكياس النقود. (والكواري): ¢جلد الأبقار¢، لصنع الحقائب الكبيرة وأخيرا جلد الجمل لصنع الأحزمة.

صنعنا من جلد الماعز محافظ جيب للأصدقاء، لم نبع منها شيئا. أذكر أنها كانت تضع التصميم، وتقص الجلد، وتأخذ في تخريم الأطراف بالخرٌامة (أحيانا كنت أقوم بذلك)، ثم تأتي بقطعة مهملة من الجلد شبه دائرية، وتقصها علي هيئة خيط جلدي نحيل متصل، ليستخدم في خياطة الأطراف.

لكني كنت أنتظر الخطوة الأخيرة بشغف. بعد أن تكتمل المحفظة تماما، وأراها حائرة: ماذا سنرسم علي ظهرها؟

لم تكن تستخدم الفرشاة بالطبع، بل ذلك القلم الكهربائي ذا السنٌ المعدني الملتهب. الذي يترك علي الجلد آثارا بنية غائرة.

(كنا نعذب المحافظ)

أقول لها بفرح: اتركي لي هذه الخطوة التافهة. وأروح أجري القلم علي الجلد لتخرج رسوم سريعة شبه كاريكاتورية، أعجبت أصدقائي كثيرا: حكم، إيمان، يماني... وأنا بالطبع.

لكنني رميتها بعد يومين، واشتريت محفظة جلدية صالحة للفلوس والبطاقات والأوراق الصغيرة المهمة.

(الغريب أني فوجئت بأن كلا من حكم ، ومحمد مرسال، مازال يحتفظ بمحفظته بعد أن انقضي أكثر من عشر سنوات . بل أخرجها لي كلٌ منهما من جيبه الخلفي وقد تحولت إلي أثر, بلونها البني المحروق، وقد انطمست رسومي الغالية ، أو كادت .)

............

من سيأخذ عزائي؟

5 صباحا

صحوت الآن من النوم _ لم أنم أصلا _ وعدت ثانية لغرفتي.

كنت قد قست الضغط قبل أن أذهب. كان( 150100). لم يكن في الواقع مرتفعا جدا. لكنه بالنسبة لي الآن يعتبر (في السما).

إن ضغطي في الشهور الأخيرة غالبا ما يكون (10070). وهذا ما يرعبني خوفا من توقف العملية في ذراعي. والدخول في الدوامة السوداء إياها.

وأنا جالس مكاني علي الكنبة، أستطيع أن أمدٌ بصري في خطٌ مستقيم فيعبر أولا باب غرفتي، ثم عرض الصالة، ثم فراغا في الحائط بحجم باب يصب في الطرقة، ثم أخيرا حائط الحمام المواجه حيث مفتاح النور. باب الحمام في المواجهة بجوار الحائط، باب المطبخ علي اليمين، وعلي اليسار باب غرفة النوم.

قمت من مكاني قاصدا السرير. أطفأت النور ودلفت إلي الصالة. الشقة تغرق في عتمة كاملة. خطوت خطوة بطيئة، وخطوة أبطأ، ثم أخذتْ رأسي تدور وتدور. كنت علي وشك السقوط علي وجهي، قلت: انتبه، ستموت، وجلست مكاني مفترشا الأرض.

كنت فيما مضي أنطرح علي ظهري دائخا ومنتشيا عقب سيجارة حشيش, وضغط منخفض. أما الآن فأنا أشعر برهبة حقيقية. لا لن أموت الآن. سأقاوم الموت بكل ما أستطيع.

بعد قليل زحفت علي الأرض حتي وصلت إلي الحائط المقابل، استندت عليه ووقفت، وأضأت نور الطرقة، ثم أطفأته سريعا بعد أن حددتج طريقي إلي السرير. خطوتان وكنت ممددا علي ظهري في مكاني المعتاد بجوار سهير.

هاجمني الإحساس بقدوم الموت مرة أخري. ذلك الهاجس القوي الذي احتلٌني منذ أول الليل، وحاولت الفكاك منه طوال الوقت ، ويبدو أنني لم أستطع.

برقت في ذهني القائمة التي أعددتها منذ قليل وبها الأسماء المرشحة لأخذ عزائي.

حاولت تحريك يديٌ، ثم ساقيٌ، لم أستطع. كانت هناك تنميلة باردة تزحف في الأطراف متجهة إلي الداخل.

قلت: أهكذا يكون؟ ثم رأيت نادية (رفيقتي في الغسيل والتي تنام دائما في السرير المجاور). كانت تسبح في سماء الغرفة بوجه شاحب وابتسامة صافية ، وتشير إليٌ أن أتبعها، فيما هي تتجه نحو باب الغرفة.

قلت: إذن ماتت نادية.

وفجأة تذكرت أنني لم أكتب اسم سهير مع باقي الأسماء في القائمة، (يا خبر)، كان يجب أن يكون اسمها قبل الجميع .

(اذهبي أنتِ يا نادية الآن).

* سهير.. سهير.. سهير

تململت قليلا ثم زامتْ وهي تدير رأسها.

* معلهش يا سهير صحٌيتك ، بس ممكن والنبي تروحي تجيبيلي الأجندة الخضرا من الأوضة الثانية؟

* .............. وهاتولٌع النور؟

(صدمني السؤال).

* لا ياماما ماتشغليش بالك. نامي انتِي. تصبحي علي خير.

وها أنا (زيٌ الجنٌ) أكتب في نفس مكاني المعتاد علي الكنبة. الكنبة التي قضيت عليها عمري كله..

هي وكنبات أخري .

................

خضراء ووحيدة

5,30 صباحا

انتهي سنٌ القلم الرصاص (0.7) بحثت كثيرا ولم أجد علبة السنون. لكني وجدت واحدا خشبيا من أقلام سهير. سنٌه غليظ وخطه باهت ولا يطاوعني كثيرا.

ثم ها هو صباح جديد

الساعة 5.30 صباحا . سهير لازالت نائمة. ستصحو في السابعة. تصلي أيضا، قبل أن تستعد للذهاب إلي المدرسة.

كان من المفترض أن أذهب اليوم إلي الميكانيكي لإصلاح العربية. رأيتها منذ قليل وأنا في البلكونة (تقف في الخرابة المجاورة)، خضراء كما هي، ووحيدة. قبل أن أصعد أخذت معي الكاسيت, نكاية في اللص. أنا أكثر من في الشارع تعرضا لكسر زجاج السيارة الخلفي (الهوٌاية) وسرقة الكاسيت.

قبل أن أفطن وأشتري الكاسيت المحمول. وحتي بعدها، تكاسلت ذات ليلة ودسسته في التابلوه، مع ملفات التأمين الصحي وبعض الأوراق، ونسخة من أحد دواويني.

سرق أيضا، وسرقت معه نظارة شمسية كنت أخفيها في فتحة أسفل الدركسيون.

حزنت عليها وأنا أضحك. لأنني كنت قد اشتريتها بعشرة جنيهات من عيٌلي واقفي في الشارع.حتي أن سهير يومها ضحكت وقالت دي بخمسة بس)

............

هاناكل إيه بكرة؟

8 صباحا

وجدت قلما آخر (0.7) في درج الكوميدينو الملاصق للسرير. أخبرتني سهير بذلك.

كنت قد تسللت إلي جوارها في السادسة. لم أستطع مقاومة النعاس. وجدتها صاحية . أغمضت عينيٌ وأنا أعلم أنني لن أستطيع النوم سوي بعد مغادرتها. (عندما تصحو سهير مبكرا هكذا فلكي تجهز الغداء، بحيث لا يتبقي أمامها بعد عودتها سوي إكمال إنضاجه، بينما يتم تسوية الأرز).

أغلقّتْ عليٌ باب الغرفة, حتي لا تهاجمني أبخرة الطبيخ وقرقعة المواعين.

بعد قليل فوجئتْ بي أقفج أمامها في المطبخ.

* قلت أفطر معاكي وافضل صاحي لغاية ما تنزلي.

* دخنت كتير؟

* 12 أو 11 سيجارة (كانوا 13)

لم تعقٌب، أو عقبت، لا أذكر.

قالت:

* التلاجه فضيت. مافيهاش أي حاجة

* ولا عيش (كنت قد أكلت نصف الرغيف المتبقي بآخر قطعة جبن موجودة)

* لا فيه عيش بلدي في الفريزر

* بلدي؟

* بلدي بتاع اسكندرية اللي إنت بتحبه. ماما كانت جايباه معاها. (زارتني أمي في الأسبوع الماضي لتطمئن عليٌ. كان من المفترض أن نذهب إليها سويا في عيد الأم كالعادة. لكنني كنت مريضا) .

¢عندما أقول مريضا, يعني أن هناك شيئا غير معتاد، مثل الانفلونزا، أو احتقان الجيوب الأنفية، أو ألم الأسنان، أو أي شئ من الأشياء المباغتة التي تأتي وتروح!

ساعتها أعلن بجلبة كبيرة أني مريض.

الفشل الكلوي ليس مرضا. إنه أنا . أنا العاديٌ جدا. فقط, عندما أكون في بيتي، تكون كليتاي في مكان آخر. مرة في الزمالك بشارع شجرة الدر. ومرٌات هنا في الجوار، في الجيزة أو الهرم أو حتي فيصل نفسه¢.

المهم كان عندنا خبز جميل في الفريزر (لو كانت آتية من البلد, لأتت بالقراقيش والرقاق) . ولأنها لا يمكن أن تدخل عليٌ (بإيدها فاضية) , يبدو أنها أفرغت ثلاجتها وأتت بما فيها:

فرخة بلدي، وأرنبين، وبطة، وكيس ممتلئ بالعيش.

ولم تنس أن تحضر ستٌ سمكات بلطي متبلات ومجمدات.

(مازالت عندنا بطة في الفريزر ، وبعض الأرغفة)

سلقتْ بيضتين وصنعتْ إفطارا من العدم. سألتني بريبة :

* هاتشرب شاي؟

هي تعلم أنني لو شربت شايا في المساء لا أستطيع النوم. مابالك ونحن في الصباح، وأنا لم أنمْ للآن، وأحتاج للنوم بشدة، وهي تري أني شربت شايا مرتين بالليل (الأكواب بجوار الحوض).

لم أجبْ. وهي لم تجادلني. وضعت ماءا يكفي ثلاثة أكواب, وجلسنا نفطر سويا: عيش، وبيض مسلوق، وزعتر بزيت الزيتون (من أين أتت به؟) وعسل وطحينة، كنت قد خلطته منذ أيام ونسيته، لكنها تعرف مكانه.

* التلاجة لازم تتملي النهاردة. أنا طول الأسبوع اللي فات مشغولة في المعرض وما خدتش بالي (قالت كمن تعتذر)

* النهاردة بإذن الله نتغدٌي وننزل سوا نجيب كل اللي ناقص.

* طب هاناكل إيه النهاردة؟... أطلٌع البطٌة؟

* يبقي النهاردة بطٌ ، وبكرة لحمة ضاني عند الجماعة؟... كتير (أنا المفروض لا أكثر من أكل اللحوم. لكنني أكثر في الحقيقة. أنا من أكلة اللحوم بطبعي. أما هي فتحب الأسماك.. الأسماك شبه ممنوعة أيضا, بسبب الفسفور. لكنني آكل الأسماك. لا أقول لأجل سهير، بل لأجلنا معا. هي تحاول أن تطيل المسافة بين كل وجبتي سمك. لكنني أفاجئها أحيانا عندما تسأل:

* هاناكل إيه بكره؟ فأجيبها بلا تردد: سمك.)

كانت قد بشرت ثلاث بصلات وأخرجت ورق العنب من الفريزر. فتذكرت أنها كانت قد اقترحت بالأمس: (محشي ورق عنب).

* يعني بلاش أطلٌع البطة؟

* أنا باقول نقضيها النهاردة من غير لحوم ،عشان بكره هاناكل لحمة في إمبابه .

* يعني محشي بس؟

* ““..

كنت علي وشك أن أقول لها: ياريت تجيبي معاكي من السوبرماركت كيس (كفتة المراعي) ، أو كيس (كوكي دبابيس) جنب المحشي.

(لكنني لذت بالصمت وخرجت شامخا من الحوار).

............

أمي تحبني

10 صباحا

كلما زرت أمي في الإسكندرية، أو في العزبة، لم تنس مرة أن تسألني عن شيئين, الأول:

* إنت مش هاتريٌحني بقي يا أسامة وأشوفك بتصلٌي؟

يابني أبوك محتاج حدٌ يدعيله فْ تربته. وانا لمٌا اموت.. مين هايدعيلي ياأسامة؟، وتذكٌرني بالحديث:

(“““. ولد صالح يدعو له) وتتركني وتذهب.

أبي كان قد شالّ يده من الموضوع, قبل موته بعدة سنوات، رغم أنه هو الشيخ الأزهريٌ، الإمام والخطيب، ومدرس الدين. أيضا كفٌ كل من حولي: أخي، عمي عبد الستار، ومن قبلهما جدي.

(إلا أميٌ)

* يابني هو انتّ عاوز تتعذب دنيا وآخرة؟

انت اتعذبت كتير في حياتك يا حبيبي، عاوز تدخل النار؟ طب وعذاب القبر يا بني؟

* أنا باصلٌي ياماما“ بس مش بانتظام، وربنا عالم .

هو قريٌب مني ومطٌلع علي كل حاجة.

* قوللي يا أسامة .. إنتّ مؤمن بربنا وبالإسلام؟

ومؤمن إن فيه جنة ونار؟ .. إنت إيه يابني قوللٌي؟

* إيه يامٌة اللي بتقوليه ده؟ يا خبر، طبعا مؤمن، ومؤمن جدا كمان . (لم تصدقني يوما)

فاجأتها يوم جمعة في إحدي زياراتي للعزبة. قمت، وتوضأت أمامها بدون أية كلمة ، وقلت لعلاء أخي:

* يالله بينا.. إنت مش هاتصلي الجمعة والا إيه؟

(علاء وقتها كان هو الذي يخطب بالناس ويؤمهم)

ذهبت، وصليت، وسلمت علي الناس، وأحسست ببهجة قديمة. قرأت الفاتحة، والتشهد أيضا (لم أكن أذكره جيدا) ورفعت إصبعي السبابة عدة مرات وأنا جالس لقراءة التشهد, كما كنا نفعل قديما.

عندما عدت من الجامع ، كانت سعيدة (لكنها لم تصدقني) .

في آذان العصر ذهب علاء، وبقيْت.

لم تنظر لي حتي“ وسافرْت.

عندما زارتني هذه المرة تكلٌمّتْ أولا عن الأمر الثاني:

* إنت مش هاتبطل السجاير بقي يا أسامة؟

إنت مش وعدتني كذا مرة؟

* أنا كنت مبطل واللهي ، ولسه راجع من يومين، باشرب تلات اربع سجاير في اليوم. يعني مبطل ياماما.

* طيب.

كنت جالسا علي الكنبة كالعادة، ساندا ظهري إلي المخدات، وفي يدي جريدة أو كتاب، وهي جالسة علي نفس الكنبة في مواجهتي.

(الكنبة علي شكل حرف L)

فجأة.. انكبٌتْ أمي علي قدمي وقبٌلتها .

أمي قبٌلت قدمي

أصابني الهلع

* يابني ياحبيبي مش هاتصلي بقي وتطمنٌي عليك قبل ما اموت.

قصدها طبعا (قبل ماتموت)

هي خائفة حدٌ الرعب من موتي قبلها، هي تتوقعه وتستعد له، لكنها لا تريدني أن أذهب إلي الجحيم.

قمت مسرعا. لكنني عدت فورا للجلوس. كنت مريضا، أعاني من الأنيميا، ولا أستطيع الحركة بدون دوخة وضربات قلب سريعة ، أسمعها تدوٌي في رأسي، وتخرج من أذنيٌ كدقات الطبول.

لكنني قمت أخيرا، وذهبت، وتوضأت، وجئت، وفرشت السجادة أمامها بالضبط، ووقفت أصلي. كانت تنظر لي بعيون غائمة, وأنا لا أقدر علي الانحناء للركوع، ولا الجلوس علي قدميٌ بين السجدتين. كنت سعيدا لأنها كانت راضية. الآن كنت أراها راضية (أكملت صلاتي جالسا تماما).

أمي ليست قاسية...

أمي تحبني.

..........

لم أذهب للميكانيكي

12,45 ظهرا

أذٌنّ الظهر منذ قليل. الساعة الآن الواحدة إلا الربع. لم أنم مازلت. حاولت، لكنني فشلت. الإرهاق هو السبب. حدث هذا عدة مرات في الفترة الأخيرة. كنت أسهر طوال الليل، إما لأرق طارئ، أو رغبة في إقناع نفسي أني أفعل ذلك لأجل سهير، فأكمل حتي الصباح, ببطولة مضحكة. وعندما تصحو تجدني أحاول النوم بجوارها قائلا:

* خفت عليكي من الشخير فسبتك تنامي براحتك.

(كانت تبدي امتنانا صامتا ولا ترد).

تذهب سهير إلي الشغل وتأتي، وأنا بعد لم أنم. اليوم سيحدث نفس الأمر. وستضرب كل مواعيدنا واتفاقاتنا الخاصة واحدا واحدا.

1* لم أذهب للميكانيكي

2* لم يعد معقولا أن ننزل الآن لكي نتسوق ونملأ الثلاجة (يجب أن أنام)

3* وطبعا فكرة النزول معا للسٌهر ليلة الخميس, انتهت منذ فترة إلي الموت, بعد أن تقلصت علي مدي الشهور الأخيرة .

(كان هذا يوم فسحتها معي. غالبا ماكنا نذهب إلي السينما)

(قالت لي يوما: أنت لا تصنع شيئا من أجلي أبدا،

حتي إذا خرجنا سويا لانذهب سوي إلي السينما أو كارفور)

ماذا كانت تريد مني بالضبط؟ .. لم أعرف أبدا.

تفاقمت حالتي الصحية سوءا في الشهور الأخيرة. لم تعد تلمح إلي مثل هذه المواضيع.

وأنا استرحت تماما.

.............

عرق

2 ظهرا

نمت نصف ساعة، من الواحدة والنصف, وحتي الثانية. ثم صحوت كالعادة في أيام الصيف, لأبدل ملابسي. لا أستطيع النوم بشكل متصل أكثر من نصف ساعة. أصحو من أعمق الآبار شاعرا ببرودة حقيقية، لأجد ملابسي كلها مشبعة بالعرق، أخلعها وأرتدي طاقما جافا من الدولاب ، ثم أعود للنوم ، بعد أن أنشر القطع المبتلة حتي تجف. (يوجد كرسيان فوتيه في الغرفة صالحان لهذا الغرض)

بعد أن يتراكم أربعة أو خمسة غيارات، يكون الطاقم الأول قد جفٌ ، فأبدٌل بينها حتي الصباح.

..............

ملابس شتوية

الجمعة 5/5/2006

1 صباحا

سأبدأ من الغد في البحث عن عصا مناسبة لتساعدني علي السير. (الأنكل) الذي ألبسه في قدمي اليسري لم يعد كافيا لدرء الألم الذي أشعر به عندما تطأ الأرض. أيضا.. وهذا هو المفاجئ فعلا _ لا.. ليس مفاجئا بالضبط، بل ليس مفاجئا بالمرة، كنت أتوقعه، ولكن كعادتي كنت أتحاشاه _ لقد بدأ الألم يسري في ساقي اليمني، ليسكن في ركبتي.

أنا الآن في عز الصيف، أرتدي بنطلونا قطنيا كنت ألبسه في الشتاء الماضي. تكبٌدت العناء حتي أحضرته من أعلي الدولاب, حيث الملابس الشتوية المخزٌنة . وأرتدي أيضا جوربا ، وسويت شيرت ثقيل.

باختصار.. لقد أنزلت كل ملابسي الشتوية.

في مثل هذا الوقت من الصيف الماضي كنت أجلس في البيت, ببنطلون صيفيٌ خفيف ، وفانلة داخلية فقط، وأنام هكذا بلا أي غطاء. لم أكن أطيق أية أغطية مهما خفٌت علي جسمي.

الآن، أنام بعد ارتداء الجيليه، وتحت غطاء سميك يشبه اللحاف.

إنها هشاشة العظام. تلك الزائرة السمجة، التي تهبط علي الشيوخ في أرازل العمر، ولا تفارقهم حتي تدخل معهم القبر.

(تذكٌرني بالحمٌي، زائرة المتنبٌي،الذي بذل لها المطارف والحشايا، فعافتها، وباتت في عظامه.

سوي أن الأخيرة ذات حياء. إذ تأتي وتروح سريعا،، وإن كانت أحيانا تروح هي والمضيف معا)

غير أني لست شيخا. أنا لم أتخطٌي السادسة والأربعين بعد.

هل أقول إنها أخطأتْ في تقدير سنٌي؟

لا لم تخطئ.

ويعلم أطباء الكلي، ومرضي الفشل الكلوي القدامي ذلك جيدا.

المرضي القدامي؟

لماذا لم أعد أر منذ سنوات مريضا يغسل دمه أقدم مني؟

وهل 12 سنة هو العمر الافتراضيٌ لمريض يغسل؟

وهل ياتري أصابتهم الهشاشة جميعا قبل موتهم؟

أم أن حظهم البائس, لم يسعدهم ليجرٌبوها مثلي؟

...............

وحدة الزمالك

الجمعة 5/5

10,40 مساء

ذهبت إلي الوحدة في الثامنة والثلث صباحا.

الجمعة, هو اليوم الوحيد الذي أغسل فيه في الشفت الأول (8*12) اليومان الآخران ( الاثنين والأربعاء) أكون في الشفت الثاني (12*4). الوحدة مزدحمة، بها عشر ماكينات ، وحوالي ستون مريضا.

اخترت الوحدة الحالية (الشباب2) في أعقاب تركي لوحدة الزمالك، وذلك قبل إغلاقها بفترة وجيزة.

كانت الإرهاصات قد بدأت تزكم أنوفنا. جاءت مشرفة من هيئة التأمين الصحي، وذهبت، لكنها تركتْ خلفها دوامات من الهمس والريبة.

نحن نتردد علي التأمين باستمرار (الخدمات الطبية) لتجديد أمر الغسيل كل ثلاثة شهور، ولمقابلة استشاري الكلي كل شهرين لصرف العلاج, وتمديد الإجازات، وباقي هذه الأمور.

في إحدي المرات أنبأّنا أحد الرفاق, أن أحدّ موظفي مكتب الخدمات الطبية أبلغه أن وحدة الزمالك ستغلق قريبا. ونصحه بالبحث من مكان جديد . والسبب؟.. قال : (وحدة المياه).

كنت أحبٌ وحدة الزمالك، أمضيت بها أكثر من ثلاث سنوات. وكان الجميع أصدقائي: المرضي , والممرضات، والأطباء ، والعاملات . كانت بيتي .

لذلك لم نصدق حرفا مما قيل، وخصوصا بعد أن سألت داليا فأنكرتْ تماما وقالت إن السبب الحقيقي هو أن الدكتورة المشرفة، عندما أتت لم يكن د. فوزي موجودا بالشفت. فأمّرتْ بإجراء تحقيق. وهذا هو كل شئ.

ولأنني أثق في داليا ثقة عمياء، ليس لكونها ممرضة ممتازة ذات خبرة كبيرة فقط، ولكن لكونها أيضا صديقة. عرٌفتها علي سهير، وعرفتْني علي زوجها، بعد أن أفشتْ لي سرٌها الخاص: أن (رفاعي) زوجها، والد (فرح)، يغسل أيضا في القصر العيني. وأنه كان أحد مرضاها. وبمجرد رؤيته، بدأت قصة حب لم تنته. وتزوجا، وأنجبا (فرح). ثم تركّت هي القصر العيني والتحقت بالعمل الخاص. (لم أبح لأحد بهذا السر من قبل)

ولأن رفاقي يثقون بي بدورهم: أحمد، أنور، إبراهيم، عم الشحات، عم بيومي، مدام إستر، جمالات، والباقون. قررنا الاستمرار في الوحدة إلي أن تنكشف الأمور.

الجميع يحب داليا، داليا هي الوحدة، والوحدة هي داليا.

داليا هي أمنا جميعا. رغم أنها أصغر سنا من أصغر مريض في الوحدة.

داليا والدكتورة هالة كفيلتان بجعل الوحدة مكانا للبهجة.

الوحدة كانت عتيقة الطراز، وتحتاج إلي تحديث فوري، كان بها ستٌ ماكينات جامبرو ( الزرقاء ذات القطعتين ) .

90 % من الوحدات الخاصة بالقاهرة مازالوا يستخدمون هذا النوع من الماكينات، علي الرغم من شيوع الأجيال الجديدة التي تعمل بالكمبيوتر, ولا مجال فيها للخطأ منذ أكثر من 15 سنة. أي من قبل أن أبدأ الغسيل.

الفرق بين الجامبرو القديمة والجامبرو الحديثة أو الفريزنياس, مثل الفرق بين سيارة فولكس موديل 60، وسيارة بولو موديل 2006، كلتاهما فولكس ، وكلتاهما ستقوم بتوصيلك من مكان إلي مكان.

ولكن لن يعرف الفرق إلا من جرب كلا منهما.

رغم أنني أول ماغسلت كان بماكينة فريزنياس حديثه في مسجد الاستقامة. وغسلت بها أيضا في أماكن عديدة أثناء رحلاتي إلي الغردقة، العريش، شرم الشيخ، أسوان، الإسكندرية، وحتي دسوق. وأعرف مزاياها جيدا . إلا أن الأهم عندي لم يكن كفاءة الغسيل، بقدر أهمية راحتي للبشر (الناس اللي روحي بين إديهم) طوال أربع ساعات ، ولثلاث مرات في الأسبوع: الممرض أو الممرضة أولا، ثم الطبيب, فالعاملة.

لابد أن أكون مرتاحا ومطمئنا عندما أنام ودمي في الخارج، يقوم بجولته المعتادة عبر الخراطيم والفلاتر.

هذا ما جعلني أقضي ثماني سنوات بكاملها في مركز الهدي، قبل انتقالي للزمالك. فقط بسبب راحتي للناس: المرضي أولا، (معظمهم أصدق)

.........

قلقسة

ذات مرة‏,‏ كنت جالسا وسط بقية المرضي في الاستراحة‏,‏ منتظرا سماع اسمي‏,‏ للدخول لمقابلة الاستشاري‏,‏ لكي يكتب لي علاجي الشهري‏,‏ أو ليمدد لي أجازتي‏,‏ أو ليجدد لي قرار الغسيل‏,‏ لثلاثة أشهر أخري‏.‏

بدأت الممرضة المصاحبة للدكتور بمناداة كل من يحين دوره‏,‏ لم أكن أسمعها بالطبع‏,‏ ولكني كنت ألاحظ كل فترة‏,‏ انتفاض أحد الجالسين‏,‏ وتوجهه لغرفة الكشف‏.‏

أيقنت أنني لن أسمع اسمي إن ظللت جالسا مكاني‏,‏ ووجدت لزاما علي أن أذهب للوقوف بالقرب من الباب‏,‏ بجوار آخرين ضعاف السمع مثلي‏.‏ أو آخرين يفتشون عن ثغرة يمرقون منها‏,‏ قبل أن يحين دورهم الحقيقي‏.‏

كنت أذهب إلي الباب‏,‏ لأكتشف أن المنادي ليس أنا‏,‏ فأعود للجلوس‏,‏ وبعد قليل أعاود الكرة‏.‏كنت عائدا للجلوس في إحدي المرأت‏,‏ وإذا بالمريض الجالس بجواري يقول‏:‏

ـ لمؤاخذة ياأستاذ‏…‏ أنا شايفك رايح جي وتاعب نفسك‏,‏ خليك مستريح‏….‏ ولما تسمع اسمك‏..‏ قوم‏.‏

ـ ماهي دي المشكلة ياحاج‏,‏ أنا سمعي تقيل‏,‏ ومستحيل هاسمع اسمي وأنا قاعد هنا‏.‏

ـ بسيطة‏..‏ قوللي علي اسمك‏…‏ وأنا انبهك أول مااسمعه‏.

ـ والله يبقي كتر خيرك‏,‏ أنا اسمي ياسيدي‏:‏ أسامة الدناصوري‏.‏

ـ سلامة الدمنهوري؟

ـ خلاص ياحاج ماتشغلش بالك‏(‏ قلتها وأنا أكتم ضحكتي‏)‏

وقمت من فوري للوقوف بجوار الباب‏.‏

ألفت هذه النكتة من الألف إلي الياء‏,‏ فقط لنضخك أنا وأصدقائي‏,‏ أصدقائي القتلة‏,‏ الأوغاد‏,‏ الذين بمجرد تيقنهم من أريحيتي‏,‏ وعدم حساسيتي تجاه الأمر‏,‏ حتي شرعوا ينتفننون في التنذر وإشعال الوقت بالصحك والمزاج‏,‏ حول حكاية ضعف سمعي‏.‏

لكن في الحقيقة أمنحهم العذر كله في فعل ذلك‏,‏ لأنني أنا نفسي كنت الأكثر تفنتا في التندر علي سمعي الضعيف‏.‏

أصيب جهازي السمعي بالعطب منذ سنوات طويلة‏.‏ قال الأطباء‏,‏ حدث ذلك بسبب إفراطك في تناول المضادات الحيوية‏,‏ وبالذات‏(‏ الجراميسين‏),‏ وباقي عائلة‏(‏ التتراسيلكين‏).‏

أذكر أنني عشت لسنوات أتناول الجراميسين علي هيئة حقن‏,‏ لمقاومة الالتهاب الذي يحدث في جهازي البولي‏,‏ بسبب الارتجاع من ناحية‏,‏ واستخدام القساطر بشكل دائم من ناحية أخري‏.‏ قالوا أيضا أن الجراميسين يدمر العصب السمعي مباشرة‏,‏ ولاسبيل إلي إصلاح ذلك التلف‏.‏

ذهبت إلي أكثر من طبيب‏,‏ وأجريت قياسا للسمع أكثر من مرة‏,‏ وكانت النتيجة‏:‏ أن حساسية الأذنين للسمع ضعيفة‏,‏ تكاد تصل إلي‏30%.‏ ونصحت باقتناء سماعة‏.‏ لكنني نفرت من الفكرة واكتفيت بقدراتي المتواضعة علي السماع‏,‏ إذ أن الحياة تسير بدون سماعة‏.‏ ولست أعتقد أن السماعة‏.‏ ستجعل الحياة تسير أفضل‏.‏

اكتشفت أنني أسمع الأصوات التي تنحصر بين درجتين محددتين من التردد‏,…‏ بوضوح‏,‏ وبلا أية معاناة‏.‏ أما تلك التي يكون ترتدها أعلي أو أقل‏,‏ فلا أسمعها مطلقا‏.

مثلا‏:‏جرس الباب‏:

أنا لا أسمع صوت الجرس علي الإطلاق‏.‏ إلا إذا كنت في انتظار أحدهم‏,‏ وأعلم أنه سيضغط علي زر الجرس بين لحظة وأخري‏,‏ وأكون جالسا بغرفتي القريبة من الباب‏,‏ مرهفا كل حواسي‏,‏ ومطفئا كل جهاز يصدر أصواتا‏.‏ أو متمشيا في الصالة‏,‏ حتي أكون أقرب‏.‏ ورغم ذلك‏,‏ كنت أتوجه كل بضع دقائق إلي الباب‏,‏ وأضع عيني علي العين السحرية‏.‏ خوفا من أن يكون أحدهم هذا‏,‏ واقفا هناك‏.‏

والسبب في ذلك‏:‏ هو أني لا أسمع صوت جرسنا‏,‏ لأنه‏(‏ عصفورة‏).‏ أي أنه يصدر صوتا يشبه صوصوة العصافير‏.‏ جربنا فترة تركيب جرس آخر يصدر صوت‏(‏ بيانو‏),‏ ونقلنا العصفورة إلي الطرقة‏,‏ بجوار غرفة النوم‏,‏ كنت أسمع الجرس جيدا في هذه الفترة‏.‏ صوت البيانو أميزه بدون عناء‏,‏ لكن سهير ضجت من الازعاج‏,‏ وقالت‏:‏ إن صوت الجرس مزعج جدا‏,‏ وأنا أشفقت عليها‏,‏ وعدنا ثانية إلي العصفورة وحده‏.‏

حدث كثيرا أن جاء أحد أصدقائي لزيارتي‏,‏ وعاد من حيث أتي‏,‏ لأنني لم أسمع الجرس‏.‏

يحدث أيضا أن أطلب من أم أحمد‏:‏ زوجة البواب‏,‏ أن تأتيني بالجرائد‏,‏ أو علبة سجائر‏,‏ وأنتظرها ساعات‏,‏ ثم أفتح الباب غاضبا‏,‏ ناويا نهرها علي التأخير‏,‏ لأجد الجرائد علي الدواسة أمام الباب‏.‏ فأفهم أنها دقت الجرس إلي أن ملت‏,‏ ثم نزلت بعد بأسها‏,‏ قلت لها‏:‏ لاتدقي الجرس‏,‏ فلن أسمعه‏,‏ بل اطرقي الباب بيدك‏.‏

 (‏أنا أسمع صوت الطرق جيدا‏,‏ حتي ولو كان ضعيفا‏).‏

صرت أطلب ذلك أيضا من أصدقائي‏,‏ خصوصا إذا كنت وحدي‏:‏ قبل أن تطرق الباب‏,‏ ابعث لي رنه علي الموبايل‏,‏ ثم اطرق الباب بيدك‏.‏

أيضا الموبايل‏:‏ كان لدي واحد يصدر صوتا ضعيفا علي شكل نبضات‏.‏ كان يرن أمام عيني ولا أسمعه‏.‏ اكتشفت أنني لا أسمع النبضات‏,‏ بل أسمع التونات‏,‏ أو النغمات‏.‏ ولذلك تخلصت من ذلك الموبايل‏,‏ وأخذت موبايل سهير ال‏(poliphonic)‏

أنا ألآن اسمعه جيدا‏.‏

أسمعه وأنتفض من الخضة في كل مرة‏.‏

ذات مرة طلبني أحمد يماني من أسبانيا‏,‏ وبينما نتحدث‏,‏إذا به يقول لي‏:‏

ـ جرس الباب بيرن ياأووس‏.‏

ـ طب روح افتح‏,‏ وأنا مستنيك‏.‏

ـ هاهاها‏,‏ ياأووس‏,‏ جرس الباب بتاعكم هو اللي بيرن‏.‏

ـ بقي أنت ف أسبانيا وسامعه‏;,‏ وأنا اللي علي بعد مترين مش سامعه؟

وبالفعل كان أحدهم نفسه‏.‏ واقفا بالباب‏.‏

تكررت هذه الحكاية أكثر من مرة‏,‏ مع أحمد‏,‏ ومع أخرين‏.‏

عندما أشاهد فيلما عربيا في السينما مع سهير‏,‏ يطير مني معظم الحوار‏,‏ بسبب رداءة الصوت‏(‏ ليس هو السبب الوحيد بالطبع‏)‏

احاول قراءة شفاه الممثلين‏,‏ واستنباط الكلام بالتقريب‏,‏ ولا أجد جدوي من سؤال سهير‏.‏ لأني سأضطر لسؤالها عن كل جملة تقريبا‏,‏ لكن أفاجأ أحيانا بأن الصالة تضج بالضحك فجأة‏,‏ وسهير معهم‏,‏ وإذا بي أنا الوحيد الذي لايضحك في الصالة‏,‏ فأميل علي سهير‏:‏

ـ هوا قال إيه؟‏….‏ طب والتاني رد عليه قالوا إيه؟

يحدث كثيرا أن أسمع صوت جرس وهمي يرن في رأسي‏,‏ أقوم من فوري لأفتح الباب‏,‏ فلا أجد احدا‏.‏

يحدث أيضا أن أكون مارا في الصالة‏,‏ قادما من المطبخ‏,‏ أو خارجا من غرفتي‏,‏ وإذا بهاجس يقول لي‏:‏ افتح الباب‏,‏ لعل أحدهم واقف منذ فترة‏,‏ وقتها لا أكون قد سمعت جرسا حقيقيا‏,‏ أو وهميا‏,‏ فقط‏:‏

صوت هاجسي‏:‏

ومن العجيب‏,‏ أنني فوجئت مرات‏,‏ بأن هناك من يقف بالباب فعلا‏.‏

ـ طبعا رنيت كتير؟

ـ لا أبدا‏,‏ دنا لسه كنت هارن الجرس حالا‏.‏

مضت فترة كنت أكثر من الالتفاف خلفي كلما سرت في أحد الشوارع المزدحمة‏,‏ أو أحد الأسواق‏.‏ أكون علي يقين عندما ألتفت أن هناك من يناديني‏:(‏ أسااااماااااة‏)..‏ أقف‏,‏ وأستدير‏,‏ وأظل أحدق في الناس‏,‏ ثم أعود وأكمل طريفي‏.‏

يكون المنادي قد صاح‏:‏ سلامة‏,‏ أو حمامة‏,‏ أو علامة‏,‏ أو مع السلامة‏,‏ وقس علي ذلك‏.‏ لكن أذني لاتلتقط سوي المقطع الأخير‏(‏ آمة‏),‏ فأظن أنني المقصود بالنداء‏.‏

تعلمت أن‏(‏ أقلقس‏)(‏ أألأس‏)‏ معظم الحوارات التي تدور بيني وبين الآخرين‏,‏ حتي تسير الحياة بنعومة كما تسير‏.‏

قلقس يقلقس قلقسة‏,‏ من القلقاس‏,‏ وهو حسب تفسيري‏:(‏ جعل رأسي أشبه بالقلقاسةالصماء‏,‏ التي لاتعي شيئا‏,‏ ولاتهتم لشيء‏).‏

يبدأ أحدهم كلاما معي‏,‏ فأجد نفسي أمام عدة خيارات‏,‏ تتوقف علي مدي قربي من الشخص‏,‏ أو تخميني بمدي أهمية موضوع الكلام‏,‏ وأيضا مدي وضوح الكلام الخارج من فم محدثي‏.‏

إن كان الكلام غامضا علي من البداية‏,‏ إما لخفوت صوت المتحدث‏,‏ أو لأكله بعض الحروف‏,‏ أو لاضغامه الحروف في بعضها‏:‏ عند ذلك آخذ قراري‏(‏ بالألاسة‏)‏ من البداية‏.‏

ولكني أعطيه وجهي المدرب جيدا‏,‏ ويكون نصيبي من الحوار الذي قد يدوم لدقائق‏,‏ هو الإيماءات‏,‏ والابتسامات‏,‏ وفتح العينين وإغلاقها بمقدار‏,‏ وتقلص عضلات الوجه‏,‏ بما يوحي بأني أشارك‏,‏ وببلاغة كافية‏.‏

تمر معظم هذه‏(‏ الألأسات‏)‏ بسلام‏.‏ ولكن الأمر لايعدم مطبا هناك أو هناك‏,‏ وأكثر المطبات التي أخشاها‏,‏ هو أن يوجه لي محدثي سؤالا وسط الكلام‏,‏ يفترض أن أجيب عليه بنعم‏,‏ أولا‏.‏ فيفاجأ بأني أجيبه كما أجبته طوال الحوار‏:‏ بابتسامة‏:‏ أو بهزة من رأسي‏,‏ أو بنظرة ذات مغزي‏,‏ فينقطع المتحدث عن الكلام‏,‏ وهو لايدرك من الأمر شيئا‏,‏ وأعرف أنا علي الفور‏,‏ أنني قد وقعت في المطب المحظور‏.‏

يحدث هذا مع قلة من أصدقائي‏,‏ منهم‏(‏ محمد هاشم‏)‏ لأنه من ذلك النوع الذي لا أستطيع أن أفسر كلامه‏,‏ حتي لو قالة كلمة كلمة‏,‏ وبصوت عال‏.‏ إلا إذا أراد أن يقرأ لي نصا كتبه‏,‏ أو يحكي لي أمرا غاية في الأهمية‏,‏ ساعتها أستوقفه كل دقيقة‏:‏

ـ أيه؟‏…..‏ من تاني الجملة الأخيرة‏…‏ بتقول إيه بالظبط؟

أما في الأحوال العادية‏,‏ فأنا أقلقسة وأنا مرتاح الضمير‏.‏ وذلك انتقاما منه‏:

يحدث مثلا أن نكون جالسين في الدار‏(‏ ميريت‏)‏ مع بقية الأصدقاء‏,‏ وأساله اي سؤال‏,‏ مثلا‏:‏

ـ أنت هاتسهر فين الليلة‏.‏

ـ في الجوريون

أكون قد سمعتها صحيحة‏:(‏ في الجوريون‏).‏ واكتفيت‏,‏ لكنه لايكتفي بل يأتي ليميل علي رأسي‏,‏ واضعا فمه في أذني‏,‏ ويصرخ‏:‏الجوريووون‏.‏ ثم يمضي وهو يداري ضحكته‏.

Top