-->

خرج التليفون من بيتنا في موكب حزين

ذكريات عن قرية الطفولة

أنا قضيت في قريتي "محلة مالك" 16 سنة قبل الثانوية العامة، في تانية ثانوي رحت دسوق وانتقلت الأسرة من القرية للمدينة. دسوق كانت تبعد عن القرية 3 كيلو، كنَّا بنركب قطر عشان نروح دسوق ونيجي، أول محطة قطر بعد دسوق كانت "محلة مالك" بلدنا ودي كانت ميزة كبيرة لأبناء البلد. دايمًا كانت بتحصل خناقات بين أبناء القرى المتجمعين في القطر. كل بلد كان ليها أشقياءها وجبَّارينها، في محطة دسوق كان فيه 4 أو 5 لصوص مشهورين جدًا. أنا ليَّا علاقة مباشرة بواحد اسمه "الشحات زغلوك"، مرة ضربني قلم لسّه فاكره لحد دلوقتي. اللي حصل إني شفته وهوَ بيسرق ورحت بمنتهى السذاجة والغشومية أبحلق فيه وهوَ بيحط إيده في جيب الراجل الفلاح ويطلَّع الفلوس. اندهشت جدًا وقلت للعيال اللي معايا "شايفين ده بيسرق الراجل" قام أخد باله مني إني ببص له، راح سايب الشغل اللي في إيده وجالي وقام بعزم ما فيه وإدَّاني قلم، أنا دخت من القلم وهوَ راح ماشي عادي. جم العيال صحابي وأخدوني بعيد عشان ما يرجعش وينتقم مني.

أما "النَبَرْسي" فده كان حرامي كبير ما يبصَّش للحاجات الصغيَّرة دي، كان بيروح سوق المواشي وبيشْرُط جيب أتخن عمدة أو تاجر، كان عمره في العشرينات وكان ليه شُهرة جبارة، وكان يرجع منفَّض السوق من الفلوس. الحرامية كانوا أنواع وأشكال وكانوا يكتروا يوم الخميس، يوم سوق المواشي. في اليوم ده تلاقي التاجر واللي باع عجل واللي باع جاموسه واللي معاه فلوس وحاططهم في جيبه، ولافِفْهُم 60 لفَّة، وجوّه محفظة جلد قوية جدًا والمحفظة حاططها في جيب الصديري وده اسمه الجيب السحراوي ولابس عليه ستين جلابية، وبالرغم من كل ده النَبَرْسي أو الشحات يقدروا بالمشرط الدقيق السحري إنهم ياخدوا الفلوس قدام الناس عيني عينك، وماحدِّش يقدر يتكلم.

زغلوك والنَبَرْسي دول كانوا من دسوق، من المدينة. طول الوقت هيَّ الفخ اللي حيقع فيه الفلاح الساذج. الفلاح اللي رايح المدينة لازم يحط عينه في وسط راسه وإلا حيتسرق ويضَّحك عليه. دايمًا فيه مشكلة بين الفلاح والمدينة، بالرغم من أن دسوق كانت 3 كيلو بس. كنت بروح المدرسة الإعدادي والثانوي هناك، كنَّا نركب قطر الساعة 6 الصبح نروح دسوق وناخد لفِّتنا المعتادة نجيب ساندوتشات، نجيب حتة هريسة من عند "الصعيدي" وبعدين نروح المدرسة، كانت فُسْحَة. وبعدين ناخد قطر الساعة 1.30 الضهر عشان نرجع البلد. القطر كان دايمًا مليان بالطلبة، والطَلَبة أنواع وأشكال، وكل بلد ليها فتوِّتها، هو اللي بيحْتِمي فيه بقية الطلبة. ييجي واحد يقول أنا من بلد فلان الفلاني، وعلى حَد شراسة وخطورة الفتوَّة بتاع البلد بتبقى فيه هيبة ومهابة ليه ولأبناء بلده. وكانت بتحصل برضه صداقات في القطر، بس كان فيه عداوات أكتر.

****

لحد دلوقتي أنا مسحور بذكرى أحد هؤلاء الفتوات، كانت عيلته مهاجرة من مدن القناة أيام الحرب. كان أسطوري في حركته، كان طالب في دبلوم الصناعة ووسيم وأشقر وملامحه مختلفة شوية عننا. كنت دايمًا حاسس إنه غريب مش من البلد حتى قبل ما أعرف أصل عيلته. أنه جي من مكان تاني. كان هوّ حاسس بنفسه وكان بيتحَّرك بسلطة الاختلاف. شكله كان وسيم وعينه زرقا وفي نفس الوقت كان شرس وعنيف قلبه ميت. كنا بنسمع عنه حكايات أسطورية، كان عنده مقدرة الزعيم اللي يتنقَّل في أكتر من حتَّة وفي كل حتَّة يفجَّر ثورات. كل ما ييجي "محلة مالك" دايمًا كانت بتحصل خناقة كبيرة جدًا. القطر يقوم واقف في "محلة مالك"، وكان فيه تعبير بنقوله وإحنا صغيرين: "فَسُّوا القطّر"، كان بييجي حد مننا ويشد دراع توقَّف القطر على طول وما يقدرش يمشي، وتبدأ الخناقة وضرب ونبابيت ودم. أنا مرة كنت السبب في خناقة كبيرة جدًا حصلت بين قريتنا وبين قرية "قبريط" ودي قرية أكثر شراسة مننا بكتير وفيها عدد مهول من العيال الصيَّع اللي شُغلتها الخناق. صادف حظي إني ضربت واحد من القرية دي بالقلم على وشه عشان عاكس حنان بنت عمي في القطر، أنا ما شفتوش وهوَّ بيعاكسها ولا هي اشتكت لي، ولكن شفت أحد أصدقائي بيضرب واحد بالقلم ولما سألته إيه السبب قال "الولد ده بيعاكس حنان".

لكن قبل السؤال كنت أنا بدون كلام لازق الولد بالقلم. ونزلنا من القطر في حماية القرية. أنا الحقيقة ما فكرتش ثانية واحدة قبل ما أضربه. لكن اللي حصل إن الواد مشي لآخر القطر ورجع بعد شوية ومعاه ولدين تانيين وشاور عليّ أنا وقال هو ده، ليلتها ما شفتش النوم. وتاني يوم بَعد ما نزلنا من قطر الصباح وأول ما دخلنا في حارة ضيقة قريبة من المحطة وكان معاي أضعف وأضأل أبناء بلدنا، هجم عليّ جيش جرار من أشقياء "قبريط"، وفي طليعتهم الواد اللي ضربته بالقلم. لم يكن قد بدأ الضرب حتى انتبه أبناء "محلة مالك" جميعًا للواقعة وبدأت الحرب الطاحنة. كنا متفوقين عليهم في العدد. وأذكر أني أبليت بلاءً حسنًا قعدت فخور بيه سنين بعد كده. خليت أحد أقوياء بلدنا يكَّتف الواد إياه سبب الخناقة ونزلت فيه ضرب حتى إني بعدين لقيت إديَّه عليها دم ناشف لما غسلتها مالقيتش أثر لأي جرح فيها، وبعدين جاتلي ضربة مجهولة على مناخيري ولقيت نفسي بأطَّوح ومن حظي إني لقيت باب قهوة مفتوح وكانت فاضية مافيهاش حد، رحت داخل وقاعد من سكات على كرسي وغبت عن الوجود. لما فقت بعدين كانت الخناقة انفضت من زمان وأنا قاعد لوحدي في قهوة صغيرة بمناخير مكسورة ودم ناشف على شفتي. كان فات ميعاد المدرسة ورجعت ماشي لوحدي من على الجسر للبلد.

عمري ما نظرت للشخص الغريب ده على أنه ولد مش كويس عشان اللي بيعمله، كان بطل في عيني. كان هوَّ اللي خارج عن كل التقاليد في الشارع والمدرسة. كان شيطان ولكنه في نفس الوقت كان بيتقال حاجات كتيرة عن جَدْعنته وشهامته وطيبته. وده اللي خلّى شخصيته فيها حاجة غامضة، سحر أسطوري.

****

دسوق ما كانتش المدينة المستحيلة اللي الواحد نفسه يروحها، كانت بعيدة عن القرية 3 كيلو بس. كانت مدينة قريبة المنال، وإحنا أطفال كنا نمشي على الجسر 3 كيلو عشان نروح دسوق ونخش السينما. كنا دايمًا نروح بلِّيل ودي ليها حواديت وخوف من ذئاب الطريق والعفاريت والمارد وحاجات كتيرة كانت بتخلِّينا مرعوبين وإحنا ماشيين، بس مَاكَنْش فيه حاجة تقدر توقف الشغف القوي بالرحلة الليلية للسينما. من رفاق الرحلة دي كان فيه واحد عربجي، راجل عجوز لكن ما كَنش فيه فيلم ينزل دسوق إلا ويكون شافه. دايمًا كنّا بنصادفه يا إما بيروح معانا أو يرجع معانا. كان بيحكي لنا عن أفلام فاتن حمامه وفريد شوقي. كان بيحب فريد شوقي جدًا، بيشوفه نموذج للبطل، كل أفلامه وحركاته كان حافظها، كان يحكي لنا عن أفلام عمرنا ما شفناها، وهوّ كان عربجي بسيط وفقير، حتى أبسط من الفلاح العادي.

****

أصدقاء القرية كانوا نمط تاني من البشر غير كل الأصدقاء اللي جُمْ بعد كده. وعشان كده فيه حاجة ستظل موجودة ومش مفهومة أو على الأقل تحوطها علامات كتيرة من الاستفهام، ليه حصل ده؟ حصلت بيني وبينهم قطيعة شبه تامة، وللأسف أنا كنت السبب ورغمًا عن إرادتهم، أنا كنت إنسان محبوب للغاية من أصدقائي، وبرغم كده انقطعت العلاقة معاهم. الشيء المؤلم أنه حصل تحول فيهم كلهم، مش الثقافة هيّ اللي فصلتني عنهم، السبب أنهم جميعًا إتأسلموا إلا أنا. حسيت أن أي لحظة حتيجي بعد كده معاهم حتبقى لحظة مزيفة. ما كنتش أتمنى لأصدقائي أنهم يكونوا بالجمود ده، فيه حاجات اتخثرت بينَّا زي اللبن ما يتخثر. كان فيه صديق منهم اسمه "محمد صُبح" ده أنا زعلت عليه قوي. كان فيه بينّا مشاعر فياضة جدًا من المحبة والمودة، كل ما يربطني بيه وجدانيات. بمجرد ما اتأسلم وربّى دقنه وجمَّد تفكيره في أطر قوية افتقدته تمامًا. كانوا كل أصدقائي طيبين وجميلين وكنت مستعد أضحِّي بأي شيء في سبيل إني أحتفظ بأشخاص طيبة وبريئة زيهم ولكن حصل فاصل صَعْب تجاوزه، بقيت شايف شخص تاني غير اللي أعرفه.

 وإحنا صغيرين كنا صحاب قوي أنا ومحمد صبح، هو ما كنش عنده وقت عشان يتكلم عن نفسه، وأنا كنت مشغول بنفسي أكتر من اللازم، أو هو كان مدِّيني البراح ده. أنا كنت مادته، لو حبَّيت بنت محمد يعيش حُبِّي معايا. ولو كتبت قصيدة عن حبيبتي يحفظها قبل منِّي. كنا نطلع عنده في سطح بيته عشان نشوف بيت الحبيبة وأول سجاير شربتها في السر كانت في بيته. أمه كانت بتحبني جدًا وتخصني بأحلى أكل عندهم القشطة والبيض المحمَّر في السمن. ما كُنتش أتخيلَّ إن المشاعر دي ممكن تنحل أو تدوب بسهولة. كل ما أفتكر محمد صبح بتحصل غُصَّة في قلبي.

****

فيه ذكرى جميلة أحب أفتكرها دايمًا وهي المذاكرة في وسط الغيطان. كل يوم يمكن قبل الشمس ما تطلع إذا كان يوم أجازة أو بعد الضهر في انكسار الشمس قبل المغيب كنت تلاقي الغيطان المحيطة بالبلد بتشغي عيال تلامذة صغار وكبار، كل واحد معاه كتاب وبيقرا وهو ماشي على اللَّحف وده المساحة الضيقة من الأرض الجافة بين قطعتين أرض رايحين جايين. أو تلاقيهم ماشيين على الجسر اللي بيحد البلد من ناحية الغرب ويصل بين دسوق وقرية السالمية مرورًا بمحلة مالك وكام عزبة قبلها وبعدها.

كان الطلبة الكٌبار يمشوا على الجسر لغاية ما يوصلوا السالمية ويرجعوا، وإن حد حَبْ يريَّح ممكن يقعد تحت شجرة أو في بطن قناة جافة. وإن حد جاع فخير ربنا كتير ممكن يختلس خيارة أو بتنجناية أو طمطماية أو يطلع على شجرة توت وياكل براحته أو يغامر وينزل أرض الست "ليزا" ودي عزبة "أليس" بنت مرقص باشا فهمي أحد المحامين الكبار في بداية القرن واللي كتب عنه أحمد شوقي قصيدة مدح عصماء وشفتها في الشوقيات. العزبة دي كانت بتقع بين الجسر والنيل شريط واسع وطويل من الأرض بالغة الخصوبة لأنها طرح بحر. وكانت كلها حدايق برتقال وليمون. كانت المغامرة كبيرة لينا أننا ننظم صفوفنا في أوقات معينة ونسرق كل ما نقدر عليه من البرتقال أو الليمون ونطلع نجري من الكلاب الشرسة أو الغفر الأكثر شراسة.

لما بدأت علاقتي بالقراءة الحرة كان محظور عليّ في أوقات الدراسة أمسك كتاب غير الكتاب المدرسي، كانت الغيطان هي الملاذ وأتذكر نفسي دلوقتي وأنا قاعد تحت شجرة وباقرا رواية "الأرض الطيبة" لبيرل بك وعيني بتسح دموع. كانت منشورة في سلسلة روايات الجيب وكان جابها لي أبويا مع مجموعة روايات أخرى من نفس السلسلة كهدية نجاح في سنة من السنين، ودي من أوائل الكتب اللي قريتها في حياتي.

القرية فيها دور كبير للروح الجماعية، للدين. الدين له دور في تكوين جماعة القرية، ماكنش عندي أي تحفظ على الروح دي وعلى شكل التدين، أنا كنت حابب الجو ده، وإبن هذا الإحساس الديني الجماعي. ولكن أن يكون للدين شكل مصمت وجاف، ده ضد روح القرية. افتكر حاجة تثبت أد إيه أنا كنت متشبع بروح التدين. كان لينا صديق مسيحي في دسوق طبعًا كنا بنحاول نهديه إلى الإسلام وهوّ كان مثقف عننا جميعًا، كان اسمه حازم ميشيل، أنا افتقدت هذا الإنسان افتقاد كبير لأنه مات غريق في الإسكندرية. كنا بندخل في مناظرات شرسة عشان نقنعه بالإسلام ولكن كان قوي وعنده حجة ودليل وكان بيدافع باستماتة وشرف. كنا كلنا عليه ورغم ذلك ما اقتنعش. عمومًا كنت معجب بيه جدًا، وكان شاعر كمان فيه مرة جه وقال لنا قصيدة عمودية وقال إنه كتبها إمبارح. كانت قصيدة موزونة وما تخرش المية. لما سمعتها حسيت إنه من عاشر المستحيلات إنه يكون هو اللي كتبها، كانت قصيدة بتاعة شاعر كبير متوحد وصوفي، أنا لسه فاكر منها بيتين:

غريبًا جئت للدنيا                طريدًا مثل آبائي

كأني طائر يشدو                 على نبع ببيداء

* * **

أسرتنا كانت متدينة بشكل من الأشكال، جدي ماكانش أزهري وإنما كان عمدة البلد ومتدين جدًا، حتى أنه كان بيلبس العمامة اللي بيلبسها الأزهريين. وكان فيه طقوس طويلة جدًا وممتدة في الزمن في تحضير العمامة لجدي. أولاً كان يجيب الطربوش ويلْبسه في ركبته والشال بتاع العمامة كان طويل وأبيض ومن قماش بالغ الرفاهة بيتطّبق كذا تّطْبِيقّة وله شراشيب. وييجي واحد يمسك الشال من بعيد (أحيانًا أنا)، وجدي ماسك طرف الشال وحاطّه على الطربوش والشخص التاني بيلف حوالين الطربوش لحد ما يلف الشال كله ويحكمه ويثّبته بالدبابيس في أماكن معينة ويكون جدي مقلوظ العمّة والشراشيب مرصوصة زي أسنان المشط. جدي كان أنيق.

علاقتي بجدي كانت أقوى من علاقتي بأبويا، مش السبب أنه الفترة اللي قعدتها معاه أطول. ملامح جدي النفسية وحضوره كان أكثر حدة ووضوح من ملامح أبويا. لحد دلوقتي فيه أشخاص مش قادر أتكلّم عنهم، أبويا وجدي وأخويا أشرف، هما التلاتة ماتوا، مش عارف دي حالة عجز ولا إيه؟ لسه وجودهم عايش جوايا. حُزني على أبويا لسّه مؤجل للحظة تانية، ما حَزِنتش كفاية عليه، لسه فيه زيارات ليهم سريعة ومتقطعة. فيه لحظة مؤجلة كما لو كنت أخشاها. سايبهم كده في سذاجة وعماء الديمومة عايشين باستمرار. الأب لما بيكون عايش ما يكونش فيه إحساس بأهميته. لما بيموت بتبدأ أهميته تظهر وتبدأ تتكون نظرة ليه في مكانه الجديد، أنا لسه بأجّل الإحساس ده. ده أجمل لي.

تكويني النفسي وحبي للناس ده متأثر بشكل قوي جدًا بأمي. أنا أشبه أمي أكتر من شبهي لأبويا، خصوصًا في الملامح النفسية، حتى في ميولنا لأنواع الأكل، أكاد أكون امتداد لشخصيتها. وأمي مٌحّبة. تحب الناس وكانت عنصر التئام الأسرة كلها.

أسرتنا معقدة جدًا، أمي وأبويا ليهم أخوة مشتركين، فمثلاً عمّي هوّ عمي وخالي في نفس الوقت. جدتي "تفيدة" أم أمي اتجوزت 3 مرات، أول مرة ما خلفتش، تاني مرة خلفت أمي، تالت مرة خلفت عمي خيري وعمتي زينب، أو خالي خيري وخالتي زينب. هيّ خلفتهم من جدي عبد العزيز الدناصوري اللي هو كان متجوز تلاته برضه. أول واحدة خلف منها أبويا، وتالت واحدة اللي هي تفيدة أم أمي خلّف منها عمي خيري وعمتي زينب. أمي اتربِّت مع أمها في بيت جدي وأبويا ساعتها كان صبي أكبر منها بكام سنة. وأول ما شافوا بعض وهما أطفال قالوا أن "بهي الدين" اللي هو أبويا حيتجوز "فوزية" أمي. كانت أمي هي الأخت لأخوة أبي الرجالة والبنات وكانت الإبنة لجدي اللي مش هوّ أبوها، وكانت زوجة لأحب وأكبر ولاده وكان بيفضلها عن كل بناته. عشان كده كان ليها دور قوي جدًا في الأسرة.

زي ما كانت أمي حلقة وصل بين العيلة، كان فيه صراع مرير بين أمي وجدتي على السيادة في البيت. جدتي كانت مٌسنة وعجوز ولكن كان ليها شخصية قوية جدًا تكاد تكون متسلطة وكانت جميلة جدًا في شبابها، عشان كده ليها تحكٌّمات غريبة فقط عشان تمشّي اللي في دماغها، فكان بيحصل صدامات بينها وبين والدتي. ده كان بيسبب لي حزن شديد لأنها بتبقى فترة عصيبة بتمر على أمي وقت الصدامات دي، وكان بيحصل خصام وقطيعة وما يكلموش بعض، وده كان بينعكس على أمي بشكل غير عادي، بتبقى في حالة نفسية متردية لحد ما يحصل الصٌلح، ولمّا يتصالحوا كانوا يتصالحوا كقوتين. وساعات في أوقات الخصام كانت أمي تاخدنا ونروح بيت تاني لينا نقعد هناك لحد الأمور ما تهدا.

* * *

أخت جدتي كانت عايشة معانا في البيت، كانت خرساء، وجدتي كان ليها أختين خُرس، واحدة منهم كانت جميلة وهيّ الكبيرة، مش فاكر اسمها عشان أساميهم ماكنتش بتتقال خالص. ماحدش كان بيناديهم إطلاقًا. الصُّغيرة كان ليها اسم غريب جدًا "جل الخالق"، كنا بنسمّيهم الخرسا الصُّغيرة والخرسا الكبيرة. لما ماتت الخرسا الكبيرة بقينا نقول الخرسا بس. الخرسا الصّغيرة ماتت وعندها حاجة وستين سنة. فضلت لآخر يوم في حياتها تحلم بالعريس، مستنياه. وعَدوها وهي صغيرة إن فيه عريس حَيْجيلها، بس هوّ غايب في الجيش وحيرجع. ظلت على الحال ده لحد ما ماتت، بتحَضَّر في جهازها: صيني، معلقة، كوباية، أي حاجة حلوة كانت بتقابلها كانت تاخدها في جهازها عشان العريس اللي جَي. ولما تحاول تمثَّل العريس كانت تلبس طربوش في الفراغ وتحط صباعها تحت مناخيرها كناية عن الشنب وتحط بندقية وهمية على كتفها وتقف انتباه. قعدت مستنية العريس ده، تحلم وتنتظر زي انتظار جودو لحد ما ماتت. كانت ذكية جدًا بتقرا حركة الشفايف، لو اتكلمت قدامها أعرف أنها فهمت الموضوع لو كانت منتبهة، تضحك في الوقت المناسب، وتقهقه في الوقت المناسب، ماشية مع الموضوع صح.

أنا عاشرت أكتر الخرسا الصُّغيرة، كانت الكبيرة طيبة جدًا وعاقلة بعكس الصغيرة اللي كان ممكن تدبَّر مكيدة، بس الاتنين كانوا بيحبونا جدًا إحنا ولاد "فوزية". كان في المحيط اللي إحنا فيه خُرس كتير جدًا، كان لينا جار راعي غنم أخرس، كان عايش في أسرة فيها اتنين رعاة غنم خُرس. كنا بنقول للخرسا الصُغيرة إيه رأيك لو اتجوزتي واحد منهم. كانت بترفض، ماكنتش عايزة تتجوز واحد أخرس، كانت تقول لو هوَ برّه وأنا جوه البيت وخبّط على الباب أنا مش حَسْمَعُه، أنا عاوزة واحد بيسمع. راعي الغنم الأخرس ده كان ولد وسيم وحبّيب ويعرف الغَزَل كويس وليه علاقات متعددة وحَبْ بنت من قرية جنبنا وهي حَبِّتُه جدًا واتجوزوا.

* * **

من حكايات عيلتنا المهمة قوي إن جدي كان العمدة، كانت المسألة دي محورية في حياته وفي حياة الأسرة كلها. وده صبغ ولوَّن شكل علاقتنا بالقرية. جدي كان قبلها شيخ بلد، هو ماكنش غني، كان من أسرة متوسطة الحال. كان فيه أسرة من بلدنا كان منها واحد بيه رسمي هيّ أسرة "السلماوي"، ده كان عنده 200 فدان وعزبة وكان هو العمدة. لما مات اترشح جدي ضد ابن أخوه "سعد السلماوي". رمز جدي في الانتخابات كان النخلة ورمز السلماوي القمر. البلد كلها طِلِعت لقيتها مقسومة نصين بين النخلة والقمر. صراع قوي ولا انتخابات رياسة الجمهورية. كانت بتحصل خطط حربية ورجال في كل فريق يمتازوا بالمكر والدهاء والخديعة. وكل ما المعركة تقرَّب من أيام الحسم البلد تبقى زي خلية النحل، وناس تدور على البيوت تحلّف الناس على المصحف. جدي كسب مرتين وخسر في المرة التالتة، حصلت مناحة وظل الحزن مقيم لعدة شهور، وفيه ناس حصلَّها تحوُّل نفسي بعد النكسة دي، منهم جدي.

خسارة العُمودية بالنسبة لجدي كانت عاملة زي نكسة 67، ونقدر نسمّيها نكسة 75، أثَّرت جامد على علاقة جدي بالبلد وبالحياة نفسها، أخد على خاطره جامد من البلد ومن اللي فيها. بعد مدة وطول سنين قعد جدي يكتشف مين اللي كان معاه ومين اللي كان ضده، ومين اللي خدعه. بعد مرور عشرات السنين على الموضوع ده ييجي جدي يقول لك على واحد "ده ماكنش معانا في العُمُودَّية".

كانت فيه عداوة شديدة بين العيلتين، عيلات البلد منقسمة بين الحزبين: الدناصرة والسلماوية. كانت حاجة قبلية صرفة، وعيب لما تكون عيلتك مع الدناصرة وأنت تطلع تشذّ وتكون مع السلماوية، تبقى استهنت بكبير العيلة، يجب أن تنضوي تحت لواء العائلة. والغريب في الموضوع إنه كان فيه أحيانًا زيارات وعلاقات ود بين أسرتنا وأسرة سعد السلماوي، ماكنش ممكن أبدًا تلاقي زيه بين أنصار الفريقين.

عيلتنا كانت من أواسط العيلات في البلد، فيه ناس أغنى مننا وناس أفقر، الشريحة الوسطى دي كانت نسبة كبيرة من الناس. ماكنش عندي أي إحساس بالتميز عشان عيلتي واخدة العمودَّية، كل واحد كان عنده جزء من السلطة. لو كانت الأسرة غنية، المال له سلطة وبيعمل إطار وهالة خفية حوالين الشخص، يمشي وهو محاط بسحر هذه السُلطة الخفية. وفيه ناس تانيه عملوا السلطة بحركتهم الإنسانية في الحياة، بسماتهم الشخصية: القوة، الرجولة، الفحولة. كل الحاجات دي بتخلي الشخص ليه مسحة أسطورية ومكانة وأسرته تكتسب نفس القوة. ده بيبقى بديل للثروة أحيانًا. لكن بشكل عام الثروة والمال ليهم سلطتهم في مجتمع القرية خصوصًا أن الفقراء هم السواد الأعظم.

أنا دايمًا مفتون بالحكى عن نماذج في القرية، تعتبر أساطير وأبطال بلدنا. كان فيه واحد اسمه "عكر غراب"، وده كان قوي لدرجة كبيرة، يحكي أنه كان ييجي من الجمعية الزراعية للبلد وهوّ شايل شوال الرز تحت باطه مسافة 3 كيلو. وأن فيه أحد الأقوياء والجبابرة الصعايدة جُم عشان يتحدَّوا "عكر غراب" في مركب في النيل. المركب كانت مليانه فول حصا ووقف بيها على الموردة وهيّ المرسى بتاعة بلدنا. قال الصعيدي أنا عايز عكر غراب هنا. راح عكر غراب وهو بيستهزأ بالراجل الصعيدي وإداله مليم وقال له إديني بالمليم ده فول. أخد الصعيدي المليم ودعكه بصباعه ومسح الكتابة من عليه ورد المليم لعكر وقال له المليم ده ما يروحش. قام عكر أخد شوية فول في إيديه وفَرَكه لحد ما خلاه تراب وقال للصعيدي والفول بتاعك ده ما ينفعش!. كانوا بيقولوا في القرية إن عكر غراب مَسُّه "عرق الصبا"، كنت أسأل يعني إيه "عِرق الصبا" قالوا لما مات وشرحوا جسمه لقوا عرق الصبا قّدْ كوز الدرة.

يُحكى عن عَكَر من دلائل قوته إنه كان لما يضرب النبوت بتاعه وهو بيلعب التحطيب في الموالد والأفراح، كان يضرب العصا في الأرض ويطوَّحها في السما ويطلَّع علبة الدخان وورق البافرة ويلف سيجارة ويولَّعها، كل ده قبل العصاية ما تنزل من فوق. أد إيه كان قوي. مات عَكَر غراب موته درامية، طّخُّه صديق ليه اسمه أحمد زقدان عيار في ضهره لأن عَكَر أهان صديقه قدَّام كل الناس وراح شايله ورماه في الترعة. وهوّ بيطلع في الروح كان بيقول هاتولي أحمد زقدان وحطوهولي بين صوابع رجليَّ وأنا أفرمه.

أنا ليّ أحد الأقرباء كان من أبطال قريتنا، عم أبويا مباشرة، ده مات صُغير كان بيسلَّك في عركة جاله نبوت غلط. ده كان بيحس بطاقة زايدة عن حدود جسمه فكان يقوم بلَّيل يتعلق في الساقية ويقعد يلف بيها عشان يهدا. وكان يجري من عزبة عدس لكفر السودان وهي قرية جنبنا حوالي كيلو ونص رايح جاي كذا مرة عشان يهدا.

يحكوا أنه وهو نايم على السرير النحاس العالي يمد إيده ويشيل مراته "عز" وهيّ قاعدة على الأرض ويطلعها جنبه على السرير. حصلت واقعة خلَّت أمه تنتبه أن ابنها مختلف عن بقية أخواته ورفاقه وعشان كده قعدت طول عمرها لو دبحت دكرين بط يبقى هوّ لوحده ياكل دكر بط وباقي الأسرة تاكل الدّكَر التاني. الواقعة اللي حصلت أنه في إحدى مرات ذهابه وإيابه من البيت للبحر عشان ينقل طَفْلَة على الحمار وكان وقتها صبي يافع. كانت أمه بتسيَّح زبدة، وكانت حلّة السمنة السايحة محطوطة جنب الباب عشان تبرد. صاحبنا لقاها بردت في إحدى المرات قام شاربها كلها وماشي في طريقه عادي. لما رجع لقى أمه عاملة هُلِّيلة في الشارع. مين اللي سرق سمنتها قال لها أنا اللي شربتها، قالت له أوعى تقول كده لحد. خافت عليه من الحسد، وحذرته إنه يشرب ميه في ساعتها. وأخفت فرحتها الكبيرة إن ابن من أبناءها هايطلع فتوة جبار. طبعًا الرياضة السليمة الوحيدة اللي بيبان فيها بأس الفتوة هي لعبة التحطيب، اللي كانت مبارياتها تقام في كل مناسبة: فرح، طهور، مولد، كانت أمه تأكِّله وتدعي له وتقول له "روح عايزة أسمع صوت زعقتك من الميدان". الغريب أن الجبار ده مات ميتة غبية تمامًا، في عركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

* * **

كان عندنا في القرية واحد ولي اسمه "أبو الثناء" بس إحنا بنقول سيدي "أبو التّنا". عيلتنا كانت بتنسبه لنفسها "أبو التنا الدناصوري". كان ليه مولد بيحصل كل سنة، خليفة المولد كان أحد شيوخ عيلتنا هو جد والدي. لمّا مات جت الخلافة على عم أبويا وكان أستاذ في جامعة الأزهر، استنكف أنه يركب الفَرَس ويبقى الخليفة وأقنع أبويا "الشيخ بهي" اللي كان لسه متخرج من الأزهر وقتها يبقى هو الخليفة. أبويا كان بيركب فرس مطهمة وتمشي وراه فرق الرفاعية بالرق والتار والسيوف والتعابين. كان بيبقى احتفال بالغ الروعة والجمال، كل قرايبنا المهمين كانوا ييجوا من مصر وإسكندرية و أبويا كان يلبس ويتهندم ويتعطر ويجهزوه زي ما يكون عريس ويركب الفرس من قدام البيت ويلف الموكب البلد كلها لغاية ما يوصل لجامع سيدي "أبو التنا" ينزل يصلي بيهم الضهر أو العصر ويرجع في زفة عظيمة وكل البلد كبير وصغير ماشيين في الموكب. بلّيل كان ييجي واحد من المنشدين عشان يحي الليلة لحد الصبح، دايمًا كان ييجي مُنشد معين اسمه "محمد عبد الهادي"، وكان المولد فيه ناس غُرب كتير. كل أسرة من البلد تقعد طول السنة تزغط دكر بط أو تربّي جوزين فراخ عشان الليلة دي وتعمل صينية. تطلَّع الصينية وقت الأكل ويقعد عليها واحد من العيلة ويدعي حد من الأغراب عشان ياكل معاه والأكل ده تكون الأسرة نفسها ما كلتهوش طول السنة. المولد كان فيه ناس بتوع لب ونشان وحواه والتلات ورقات. كل ده كان بيتجمع عشان يسمعوا الشيخ محمد عبد الهادي.

* * **

"محمد عبد الهادي" كان راجل أزهري قصير القامة وأمرد وله طلعة حلوة ومحبوب، وكان حضوره ليه إحساس مقدس. لدرجة أن فيه ناس كانت مجذوبة بمحمد عبد الهادي، كان فيه واحد منهم اسمه "العَبْسي" في أي حفلة أو سهرة لمحمد عبد الهادي في أي مكان على وجه الأرض لازم يكون "العبسي" موجود، وليه حركة لازم يعملها، كان ليه عصاية طويلة اسمها العصاية العوجاية ملفوفة من قدَّام. في عز تجلِّي الشيخ محمد عبد الهادي يقوم "العبسي" يلف العصاية حوالين رقبة الشيخ ويشده، والشيخ محمد ينقاد ليه لحد ما يوصل عنده ويْبوُسه وبعدين يسيبه. الناس كانت تهيِّص وهيّ عارفة أن الحركة دي حتحصل. أنا ياما لفِّيت بلاد ورا الشيخ محمد عبد الهادي، كان بيقول قصص ساذجة ولكن طريقته في الحكى ساحرة، وهوّ بيغنِّي صوته مش جميل ولكن فيه طفولة وبراءة تخلّي الواحد يحبه بدون نقاش.

في يوم حصلت حاجة وكانت من أسباب سقوط جدي في الانتخابات. جه أبويا في السنة اللي قبل الانتخابات وراح يتفق مع الشيخ محمد عبد الهادي لإحياء ليلة المولد، الشيخ ماكانش فاضي السنة دي للأسف، راح أبويا متفق مع واحد تاني اسمه "العِرَسي"، الناس كرهته جدًا وعملوا مشكلة عليه وهيّصوا، جه أبويا اتغاظ من البلد فشتمهم، طلع على المسرح اللي هو عبارة عن مقطورة عربية نقل أو جرار زراعي وقال لهم: "يا بلد رعاع"، ودي كانت كلمة السر اللي اشتغل عليها الحزب التاني، حزب القمر، وبدأ حرب دعائية ضد غطرسة أبويا واستهتاره بكرامة البلد ورجالها. ومشيت الكلمة زي النار في الهشيم وكان ليها دور فعَّال في النتيجة الأخيرة للانتخابات.

مولد سيدي "أبو التنا" ده كان مولد صغير يناسب القرية بتاعتنا، كل قرية ليها وَلِي على قدَّها، كان فيه طبعًا مولد سيدي "إبراهيم الدسوقي" في مدينة دسوق، ده كان احتفال كبير تيجي له الناس من كل حِتّة. الموالد دي كان عمادها الأساسي الطرق الصوفية ودول نوعية من الناس وظيفتها في الحياة أنها تفضل ماشية طول عمرها ورا الموالد يتنقلوا من بلد لبلد.

* * **

فيه فترة مزدهرة في تاريخ قريتنا، الفترة دي كانت تقريبًا النص الأول من السبعينات وأبطالها كانوا الجيل اللي يسبق جيلي مباشرة، جيل عمي خيري ورفاقه عبد العزيز المتيم ويوسف النجار والأنصاري ناصر وآخرين، وكلهم كانوا طلبة في الجامعة. عمي خيري كان صوته حلو واستطاع بمساعدة عمه الشيخ محمد إقناع جدي بالسماح له بالالتحاق بمعهد الموسيقى العربية بجانب دراسته في جامعة الأزهر. المهم في الفترة دي بعد واقعة الشيخ "العرسي"، الجيل ده شافوا أنهم يقدروا يحْيوا ليلة المولد بنفسهم. وقعدوا يعملوا الحفلات دي مدة ثلاث أو أربع سنين بنجاح منقطع النظير. كان عمي خيري هو المطرب والملحن، وكان الشاعر اللي بيكتب الأغاني والاسكتشات هو إبراهيم غراب وده أستاذي الله يرحمه. وغير الأغاني كان فيه اسكتشات مسرحية هزلية، لسه لغاية دلوقتي الناس فاكراها بالتفصيل. كنت أنا وبعض أبناء جيلي من الصغار الكورال اللي بيردوا اللزمات في آخر كل كوبليه، وكنا بنلبس يونيفورم واحد عبارة عن قميص أبيض وبنطلون أسود. كان فيه بروفات مرهقة لفترة طويلة قبل كل حفلة وييجي عازفين من قصر ثقافة دسوق للمشاركة.

من الاسكتشات الظريفة اللي لسه فاكرها واللي كتبها إبراهيم غراب ولحنها عمي خيري ومثّلها على المسرح هو وصحابه والكورال، اسكتش بيسخر فيه من الشيوخ، اسمه "الشيخ هلال":

لِمَّو العيال يتفرجوا ع اللي جرى لِموّ العيال

ده الشيخ هلال مناخيره طالعاله لورا وقفاه شمال

وودانه فوق قورته بزمان

والشفتين تحت الودان

وجميل جمال

ما تقولش حتة سُكَّرة.. ده جميل جمال.. إلخ

وفيه اسكتش تاني برضه بيسخر فيه من الشيوخ:

ما بقاش في الدنيا أمان

الشيخ قلع القفطان

ولا عَدش بيلبس عِمّة

ولا عنده ضمير ولا ذِمّة

ولابس لي بنطلون

وعاملي شارلستون

ناقص يندغ لبان

مبقاش في الدنيا أمان..... إلخ.

* * **

كان فيه ولي تاني في قريتنا وليه مقام بس مهمل ومالوش حظ اسمه "سيدي عزوز". وكان فيه شيخ في بلدنا راجل مبروك ودرويش اسمه "الشيخ دربالة" وهو الوحيد في بلدنا اللي كان لديه دقن كبيرة. ابنه كان بيجهزه لما يموت يعمل له مقام ويبقى هوَ خادم المقام. طبعًا ده أكل عيش ندور وتبرعات وهدايا عشانه الولي ياخد باله منك. لما مات الراجل ده كانوا مأجَّرين واحد يمشي تحت النعش. ومن كرامة أي ولي إن نعشه يطير والناس تجري وراه. تلاقي كل الجنازة بتجري عاوزه تلحق النعش. وفيه نعش يبقى مش عاوز يمشي ودي كرامة برضه. جه نعش الشيخ درباله ووقف قدام بيتنا، كانت خطة مدبرة من إبنه. وقف النعش ومش عاوز يتحرك، الناس تشدّ فيه وهوَّ مش عاوز يتحرك. إبنه "بكر" اللي كان بيحضَّر أبوه عشان يبقى ولي قال أن أبوه جيّ يعاتب الشيخ "بهي" اللي هوّ أبويا، ومش عاوز يمشي عشان عاوز الشيخ "بهي" يسامحه. قام جه واحد من عندنا وكشف تحت النعش لقي الراجل متعلق في النعش من تحت. الراجل ده كان اسمه "طلبه" وكان حرامي بهايم وله عصابة كبيرة وله حدوتة كبيرة خالص مالهاش مكان هنا.

* * **

الموت مهم قوي في القرية، افتكر كان فيه اتنين ستات بيعدِّدوا في قريتنا، سَمْراية وسارة. سَمْراية كانت كفيلة بجملة واحدة أنها تولّع الميتم بنار ما تنطفيش. كان كلامها بالغ الجمال على المستوى الفني وقوي ومؤثر بشكل غير عادي. الستات لما كانوا يسمعوا كلامها يهيجوا ويقطَّعوا في هدومهم ويصرخَّوا ويصوَّتوا وتحصل مناحة. وجود واحدة زي سمراية مش عشان قوتها في حفظ كلام العديد بس، هي حد بتبقى محتجاه البيئة اللي عايش فيها. هي صنو الموت. طبعًا كل الناس بيتشأموا منها ولكن وجودها ضروري في حياتهم. لما ماتت سمراية حصلت مشكلة وأزمة في البلد عشان مين اللي هايملا مكانها. كل ما كانت حرقة البكاء على الميت كل ما كان ده بشكل من الأشكال بيضفي شرف على الميت وهِيبته. أي أم كانت تتمنى لإبنها أكبر جنازة وأعنفها، أي واحدة تتمنى لجوزها أو لأي عزيز عليها إن جنازته تكون مشعللة نار لأن الفقيد كبير والمصاب فادح، وعلى قدر المصاب يكون فيه حزن موَّار. المظاهر دي للميت كانت بتبان أكتر في الستات، الرجالة بيكونوا متعقلين بيشوفوا أن البكاء والصريخ بيعذب الميت، أفكار التدين، ولكن العادة دي ممتدة من قبل الإسلام، وعلاقة الريفي بالموت علاقة بالغة العُمق ما يقدرش يحجَّمها أي دين.

* * **

أفتكر من معالم دسوق القديمة البيوت والأكواخ اللي ليها ستاير ملونة جميلة وموجودة جنب بعضها وكل كوخ ليه شرفة خشبية على النيل، خط طويل من الأكواخ تسمع فيها صهللة وغناء ورقص وتحشيش، كان في البلد غُرز كتير جدًا، لكن الأكواخ دي بالذات كانت محاطة بهالة سحرية لا تنسى.

أشعاري العامية القديمة فيها فكرة "صدمة المدينة"، المدينة اللي بتصدم أي ريفي وقروي ما بتدخلش إليه بسهولة. لازم تحصل صدمة لها صوت وصدى. لأن الريفي جي من إطار ثقافي مُحكم وقوي، الريفي ابن عجينة متماسكة ومتكاملة خصوصًا لو اتربّى فترة طفولته في القرية. المدينة بتختلف في بعض الجزئيات وبالذات لما تكون مدينة كبيرة زي القاهرة أو الإسكندرية، لازم تحصل الصدمة دي. ده بيخلق العلاقة الحادة بين القروي والمدينة كأنه بيلتهمها لأنه حاسس باختلافها وجمالها المُغري أحيانًا. كل ده ظهر في شِعري في البداية. فكرة اتهام المدينة بالخيانة هيّ فكرة رومانتيكية، دي دليل عكسي على إثبات بشكل ملتوي مدى فداحة الحب للمدينة. الرومانتيكي عادةً يترجم حبه إلى قسوة وشتيمة.

أنا ما حبِّتش مكان في حياتي قد ما حبيت القرية، إلا إسكندرية ليها حضور جميل في نفسي. وإحنا في القرية كنا بنحلم بإسكندرية مش القاهرة. وأنا مش ناسي أول مرة أشوف فيها البحر. كانت حالة سحرية فعلاً، كنت قاعد في العربية الجاية من دسوق لإسكندرية، وصادفت إن السواق قال إنه حيعدِّي على طريق البحر. كنت طفل صغير، قَعَدْ قلبي يدق بعنف شديد وخايف من اللحظة اللي حَشوف فيها البحر. كل شوية كنت أسأل اللي قاعدين معايا في العربية عن البحر، يقولوا "أيوه جي أهه، حتشوف البحر دلوقتي... حتشوف البحر دلوقتي" ولما شفت البحر حسيت إن قلبي حَيُقَف، هوّ ده البحر؟ قلتها من جوايا. وظل ليه سحر لغاية دلوقتي موجود، سحر غامض وغريب ومش مفهوم.

* * **

القرية اللي أنا حبَّتها هي القرية القديمة، ملاعب الطفولة، الناس وعلاقاتهم، وحاجات بسيطة اندثرت تمامًا. القرية اتحولت في عصر السادات، وفتح باب السفر للخارج. الفلاحين سابوا الأرض وسافروا العراق والسعودية. يمكن القرية دلوقتي اتحضَّرت واتمدِّنت: عربيات وبيوت أسمنت مُسلَّح وكهرباء. البلد اللي كان فيها حلاق واحد دلوقتي بقى فيها عشرين حلاق. ولكن الصورة القديمة بسذاجتها وتخلُّفها وفقرها ماقدرش أنكر جمالها، وماقدرش أنكر قبح الصورة دلوقتي رغم مظاهر التمدن. كانت العلاقات أوضح بين الناس وبعضها، كان مجتمع ليه سماته ومعالمه القوية الراسخة الواضحة. من بداية السبعينات حصل التحول الكبير. زمان في القرية كنت على قد عدد الفلاحين حتلاقي شخصيات مختلفة ومتعددة، الذكاء والظُّرف واللؤم والقوة وحكمة الحياة، كلها حاجات كانت بتعمل أحيانًا اختراقات للطبقات المختلفة. القرية زمان كانت بتسمح بأنواع كتيرة من التميُّز.

ويمكن السبب أنها كانت مجتمع مستقر وله ملامح محددة. المجتمع دلوقتي فقد الملامح المميزة دي. أنا بقالي أكتر من عشرين سنة مارحتش قريتي "محلة مالك" غير في المناسبات الكبيرة. عيد أو عزاء.

الأسرة من فترة طويلة سابت البلد وبنينا بيت في أرضنا بعيد عن البلد حوالي 2 كيلو. لما بروح زيارات باكتفي بتمضية اليوم أو اليومين في البيت. الأسرة كلها بتتلم، أخويا "علاء" هو عماد الأسرة دلوقتي وهوّ اللي البيت هناك مفتوح على حِسُّه. على فكرة هوّ أخويا الأصغر، هو وأولاده. بنتجمع كلنا الأم والأخت والعمة والعم وبقية الأهل.

* * *

لما بنْزل "محلة مالك" بازعَل، بشوف بلد تانية ماعرفهاش قوي. مش ممكن تكون هيّ دي البلد اللي قضيت فيها أجمل سنين عمري. ولو رحت باتْحَاشى أمر من جنب بيتنا القديم اللي اتباع بتمن زهيد. البيت اللي كان جميل وله 3 أبواب، باب بحري وباب شرقي وباب قبلي، وكان ليه "شكمة" ودي حاجة زي فراندة. وكان عالي تطلع له بسلِّم حجري تلات أو أربع درجات. آخر مرة شفته فيها كان مَطْفي وكئيب والشارع رَكَبه، ما تعرفش الشارع هو اللي عِلي ولاّ البيت هو اللي انغرز في الأرض. وكان لينا بيت تاني في الوش اسمه "الدوار"،وده كان مقر العمدة جدي، فيه مندرة كبيرة يقابل فيها الناس، وفيه السِلَحْلِيك ودي أوضة السلاح والتليفون. ده كان التليفون الوحيد في البلد، وبيتصل بس بالمركز في دسوق ويتلقى الإشارات عن طريق دراع في الجنب يلف كذا لفّة زي المنافلَّة.

لما جدي سقط في الانتخابات جَتْ قوة من المركز عشان تنقل التليفون من بيتنا لبيت "سعد السلماوي" العمدة الجديد، وكانت مناحة عندنا وخرج التليفون في موكب كئيب زي الجنازة يشيعه الصوات، والنحيب. وهناك على بُعد خطوات كان نفس التليفون يتم استقباله بالزينة والزغاريد وضرب النار.

    

Top