-->

كلبة العمروسية

الذكريات المؤلمة تنهال على المخيلة، وهى تسابق الريح. لم تعد الحياة تصلح فى هذه البلدة التعسة.

لامفرّ من تمضية بقية ايامها تهيم فى الطرقات، لا مأوى تركن إليه آخر الليل، ولا بيتاً تحرسه بنباحها.

ستعيش إذن كلبة ضالة، تشمشم فى المزابل بحثا عن كسرة مهملة.

فى الصيف الماضى أنتجت خمسة جراء. فوجئت بهم العمروسية صبيحة يوم مشؤوم وهى تفتح باب قاعة الخزين. كانوا عمياناً لم تجف سوائلهم بعد، وهم يتحسسون فى ظلمتهم الطريق إلى أثداء أمهم التى وقفت على قوائمها فى وسط القاعة غارقة فى ذهول اللذة.

كان عواؤها يمزق سكون البلدة وهى ترى صاحبتها قاسية القلب تقذف بلا رحمة فلذات أكبادها من فوق سطح الدار، وتسمع صوت ارتطامهم بأرض الشارع، والأنين الحاد المنبعث منهم وصيحانت الصبية الشياطين وهم يتعاركون على الفوز بهذا أو بذاك، مطلقين أرجلهم للريح فراراً من نظرات الأم الملتاثة.

لطالما ركلتها العمروسية كلما صادفتها، أو قذفتها بأى شىء يقع فى طريقها. وكم من ليلة تركتها تنام خارج البيت تتلوى جوعاً مثل الكلاب الضالة. واتهمتها كثيراً بالسرقة واختطاف دجاجاتها, أو العبث بطواجن الحليب بالنملية.

كانت تصدق كل مايلوكه النسوة الثرثارات من شائعات خبيثة عن سيرتها البطالة، وأنها لاتمل من رفع زيلها أمام كلاب البلدة جميعاً فيطأها السائب والمربوط.

آخرهم (الأزعر) كلب عثمان البيلى الشرس المهووس، والذى بفضل أنيابه وصل طابور طويل بين البلدة والمستشفى فى البندر، ليتم حقن المعضوض بإحدى وعشرين حقنة أسفل جلد البطن،خشية الإصابة بداء الكلب.

لايمر يوم إلا وله ضحية جديدة. وقع أخيرا فريسة سهلة فى أيدى الصبية الموتورين، عندما شاهدوه فى وضع فاضح مع كلبة العمروسية.

كانت المذلة تخيم عليهما وهما لايستطيعان حراكاً بسبب هيئتهما الغريبة.

كل منهما يقف على الأرض بقوائمه الأربعة ولكن (خلف خلاف )، رأسه فى ناحية ورأسها فى الناحية المقابلة. لكنهما ملتحمان من الخلف بواسطة شىء (الأزعر) الصلب. وهى قابضة عليه لاتريد بل لاتستطيع فكاكه, حتى تنال حقها من المتعة.

يومها أشبعهما الصبية ركلاً ورميا بالحجارة. وتفتق ذهن أحدهم عن سيخ محمىّ، وضعه بين استيهما ليسمع هسيسٌ, ويتصاعد خيط دخان, ورائحة لحم مشوى، بينما الصبية يقرقعون بضحكاتهم وسط الأنين الموحش للحيوان المكلوم.

ارتج سطح الدار تحت أرجل العمروسية. هبدت بيمناها على صدرها وهى تصيح: ابنى، استر يارب.

كان الصراخ يندفع من غرفة الخزين. كادت تنكفىء وهى تتقافز على درجات السلم الطينى.

دفعت الباب بكلتى يديها. تسمّرت على الباب للحظات, ذاهلة من هول ماتراه، ثم انهالت على وجهها لطماً وهى تصيح: يافضيحتى.

كان ( سلامة ) واقفا على ركبتيه فى وسط القاعة يخبط بيديه على فخذيه، ورأسه تروح وتجىء وهو يعوى عواء موحشاً ويجعّر: الحقونى هاموت.

كانت الكلبة تقف ملتصقة بالولد وللهاثها صوت مسموع. أدارت رأسها ورمقت العمروسية بنظرة تطفح بالتبجح والشماتة.

انهالت العمروسية عليهما لطماً وركلاً وعضاً كالمجنونة. ثم تهالكت على الأرض وهى تلطم وجهها لطمات سريعة متلاحقة: (أعمل إيه دلوقتى ؟ أتصرف ازاى؟ يا فضيحتك يا عمروسية ).

بعد قليل هبت واقفة وقد اهتدت للحل.

أمرته أن يمسك الكلبة بيديه جيداً ويقف: ( فزّ يا منيّل ). أخرجت رأسه من فتحة الجلباب ثم أسدلته فاختفى الحيوان (امشى انجرّ ورايا ).

عندما فتحت الباب فوجئت بحشد من النسوة والأطفال: ( كل واحد يروح لحال سبيله ).

أخذت تحث الخطى نحو النهر، وخلفها يمشى (سلامة) مفرشحاً ساقيه, ومنكفئاً إلى الأمام قليلاً.

كان الماء هو الوسيلة الوحيدة التى تجعل عضلات الكلبة المتشنجة تتراخى, فتنفرج القبضة اللعينة, ويتحرر الشىء المحشور. أمرته بالنزول إلى الماء: (على الله تغرق وتروح فى ستين داهية ).

فوجىء الجمع المحتشد بالحيوان يخرج من تحت الجلباب سابحاً نحو الشاطىء الآخر.

ارتعش جسدها رعشات سريعةً متلاحقة. فتناثر الماء، وسُمعت طرقعة أذنيها.

وقبل أن تسلم سيقانها للريح، ألقت نظرة أخيرة على الشاطىء الآخر.

كانت العمروسية متهالكةً على طين الشاطىء, وبجوارها (سلامة ) ممداً على ظهره، وبين فخذيه تتدلى زائدة جلدية, مزرقة اللون، لم تعد تصلح حتى للبول.

Top